العقيدة العسكرية القومية الجزائرية: أسس القيادة وهيبة الوضع العسكري في حقبة من الشك وعدم اليقين الإستراتيجي

أضيف بتاريخ: 31 - 12 - 2016

الدكتور. بلهول نسيم

مقدمة:
قد يكون لدينا الوقت للتفكير في مدى تأثير خبرات الجيش الوطني الشعبي الجزائري المتراكمة في بناء عقيدة عسكرية قومية، ومن خلالها يتم توجيه سلوك جيشنا الشعبي في حربه الواسعة ضد الإرهاب، في تمازج لزج بين أهدافه النظامية وسلوكياته غير النظامية (وطبيعة التحديات والتهديدات ما يشكل وعمق المخاطر في القرن الحادي والعشرين). ورغم أن الجيش الجزائري لا يزال ملتزم بوحدة الحركة في العمليات الأمنية وثبات قيمه الأخلاقية (النوفمبرية ذات البعد السيادي القومي)، ومستمر في ضبط وتعديل أساليبه من أجل تحقيق أهدافه في نهاية الأمر. فإني على يقين أنه قد آن الأوان للبدء في النظر بشكل أكثر اتساعا إلى ضرورة توظيف خبرات الجيش الوطني الشعبي المكتسبة في تشكيل وتكوين عقيدة عسكرية جزائرية. ويلقي هذا المقال الضوء على أكثر الدروس التي من شأنها أن توجه مركز الثقل العسكري الجزائري نحو بناء هذا الخط القومي العسكري في عالم أنهكته التهديدات. وكيف نرى إمكان تطبيقها من أجل إعداد جيش وطني شعبي جزائري بشكل أفضل لكافة التحديات التي يحتمل مجابهتها في المستقبل.
لقد حاولت أن أبدأ هذا المقال بمحاولة للتعريف بالتحديات التي يجب أن يعد الجيش الجزائري نفسه لمواجهتها، إلا أنني سرعان ما أدركت أن الكثير من تلك التحديات ترتبط بقوات مسلحة أخرى وبالوكالات الحكومية الكبرى. لذا فإنني أتناول عناصر أخرى من قوانا العسكرية القومية، وليس فقط قوات الجيش الوطني الشعبي.
إن تعقيدات المناخ الحالي للأمن القومي الجزائري تتطلب منا إعادة تقييم المهام داخل الجيش الوطني الشعبي، واحتواء متطلبات العمليات بصورة شاملة، والحفاظ على أهم مبادئنا العسكرية، عند تعديلنا لمنظماتنا وتطويرنا لقيمنا، لأفضل مواجهة للتحديات المنتظرة. ولذلك فهذا المقال ليس محاولة لتقديم حلول لكافة التحديات التي يحتمل أن يواجهها الجيش الجزائري، وإنما محاولة للإنضمام لحلقة البحث والنقاش حول موضوع العقيدة العسكرية الجزائرية.
كيف وصل جيشنا إلى هنا وأين يجب أن يذهب؟
إن الإنتشار السريع للتكنولوجيا، والنمو المتعدد للعوامل الدولية، وتداعيات العولمة المتزايدة وتزايد الإعتماد الإقتصادي المتبادل، قد تضافرت لخلق تحديات شديدة التعقيد للأمن القومي…
باختفاء الحرب الباردة وتحولها إلى ذكرى، وبروز تحديات جديدة للأمن القومي عند بداية القرن الحادي والعشرين، قامت وجهات النظر العسكرية بالترويج لفكرة حرب مستقبلية تتسم بالتعقيد وصعوبة التوقع والغموض، بصورة متزايدة. كما رأى آخرون، أقل استبصارا، في مفاهيم مثل النزاع قليل الكثافة والعمليات دون الحرب وبناء الأمة، على أنها من الأمور المستبعدة بالنسبة لثقافة مقاتلي الجيش الوطني الشعبي العسكريين. وعلى الرغم من تكرار القيام بمثل تلك العمليات في التسعينيات، فإن الجيش الجزائري كان يميل إلى العودة السريعة بإمكانياته الفكرية إلى قدراته التقليدية الرئيسية في ضبط تزامن القدرة القتالية في ميدان قتال متسق ومتجانس ومنتظم.
وقد كانت النتيجة الحتمية هي أن الجزائر، حتى بعد جولة غير عادية لجهود التحول العسكري الأساسي، دخلت في الحرب ضد الإرهاب بقوات مسلحة معدة لهزيمة جيوش معادية. غير أنها تفتقر إلى العمق المناسب لمتطلبات المدى الطويل اللازم لاستقرار وإعادة بناء المناطق الجريحة. وللضرورة، ذهب الجيش الجزائري إلى الحرب ضد الإرهاب بتشكيل حربي ومدني غير معد لضرورات العمليات ذات المدى الواسع وللحرب ضد مصادر اللاإستقرار القومي.
ومنذ العشرية السوداء، وعن طريق تجارب الجيش الجزائري في ميادين القتال الحديثة غير المتجانسة، تعلمت القوات المسلحة الجزائرية دروسا قاسية وأرغمت نفسها على عمل طفرات جيلية هامة في عملية التكيف والتعديل. وفي غضون ذلك، بدى أن كثيرا من القطاعات الحكومية الجزائرية وأجهزتها كانت آنذاك في حالة رفض بالنسبة لمتطلبات التكيف مع التهديدات والحرب الحديثة. وإجمالا، سوف يكون على الجيش الجزائري الإستفادة من دروس حربه على الإرهاب والإستفزازات الأمنية الجغرافية بإجراء تعديلات في الأوضاع الداخلية والمؤسسية، لضمان أنها قد أصبحت بالفعل معمول بها وليس فقط “معلومة”. كما يتوجب على الجيش الجزائري أيضا توسيع مجاله ليشمل ضرورات ملحة داخل الحكومة الجزائرية – ضرورات سوف تساعد الجيش الوطني الشعبي الإستعداد لمستقبل يغلب على القوات المسلحة فيه التأكد من مجابهة مواقف تماثل أو تزيد من حيث تعقيدها عن تلك التي يواجهها في الوقت الحاضر.
وكما أظهرت الأحداث في تاريخ الدولة الجزائرية بصورة متكررة. فإنه من المحال نظريا التوقع بأية درجة من درجات التأكد كيف ستبدو ميادين القتال المستقبلية على وجه التحديد، أو في هذا الخصوص، أين ستتواجد. إن الثابت الوحيد هو التغير، كما يكون التنبؤ بالقرارات السياسية المستقبلية أكثر خطورة. وعلى أية حال، من الممكن تعريف بعض التوجهات التي يحتمل أن تشكل النزاعات في المستقبل. وذلك يتضمن ازدياد الهوة بين العالم النامي والمتقدم، والإنفجار السكاني في المناطق المتخلفة، وظهور أيديولوجيات ومنظمات لا تعترف بالحدود القومية، والزيادة الحادة في الإنفصالات العرقية والطائفية، والتنافس الدولي المتزايد من أجل الحصول على موارد الطاقة. وقد حدثت أيضا تحسينات كبيرة في التقنيات بما يسمح بالنقل الفوري للمعلومات على مستوى العالم، ومن ثم يؤمن إمكانية لصناعة أسلحة لا يمكن تخيل قدرتها التدميرية. وتشير جميع هذه الخصائص إلى الطبيعة المعقدة والغامضة للنزاعات المستقبلية.
وقد يسعى البعض إلى تجنب تعقيد الخيارات الصعبة والتي ينجم عنها التوصل إلى نتيجة مفادها أن الجزائر غير معدة لاستخدام قواها القومية في مثل تلك البيئات متعددة الأبعاد. وقد يزعموا أنه لا يمكن للقوات المسلحة الجزائرية تحمل حرب على الإرهاب أخرى أو مواجهة نظامية مع قوة كبرى. غير أن تلك الحجة هي مثل الحجج التي كانت ضد عدم تدخل الجيش الوطني الشعبي في حروب إقليمية بعد استفزازات دولية وإقليمية ما يتعلق ودوائر التوتر الجيوسياسية في المنطقة (مالي وليبيا). على الرغم من جاذبيتها، إلا أنها غير واقعية وتدعو إلى المخاطرة. وفي هذا العالم الخطير الذي نعيش فيه، حيث يتزايد تشابك العلاقات ويزداد الإعتماد المتبادل. لا يكون في إمكان الجزائر إفتراض أنها سوف تكون قادرة على الإنسحاب من مشاكل الأمم الأخرى لفترة طويلة. وقد تتطلب المصالح الوطنية من الجيش الوطني الشعبي، في أغلب الأحوال في المستقبل غير البعيد، أن يشارك في مواقف يمكن أن تكون أكثر تعقيدا من تلك التي تواجهها الجزائر في الوقت الحالي.
وسوف يتوجب على الجيش الوطني الشعبي، من أجل مواجهة تحديات الأمن الوطني في المستقبل، أن يوجد القدرة اللازمة للمشاركة بشكل كامل في العمليات العسكرية دون الحرب. كما سيتوجب على الجيش الوطني تبني مفهوم بناء الأمة، ليس فقط من الناحية النظرية ولكن بشكل كامل. إن احتمال فقدان القوة الدافعة للتغيير في هذه الحقيقة الجديدة للنزاع، من خلال نشر القوات من على الحدود الوطنية وترتيب الأوضاع السياسية بوجهة نظر قصيرة المدى، والممانعة الطبيعية من جانب القوات المسلحة الجزائرية للمشاركة الفكرية التي تتجاوز البنية الخطية للحرب، هو احتمال حقيقي. وعلاوة على ذلك، فإنه بينما يقوم الجيش الوطني بمحاولة تحسين قدراته في مجالي الدفاع الوطني والحرب غير الخطية، يكون على القوات المسلحة الجزائرية المحافظة على قدرتها على هزيمة التهديدات العسكرية التقليدية وردع ظهور فواعل من دون الدولة أو منافسين إقليميين أقوياء. ويكون التحدي هو أن يجد الجيش الوطني التوازن الصحيح دون محاولة الوصول إلى الجدارة في الكثير من المهام المحتملة مما لا يمكن الجيش الوطني من أداء أي منها بشكل جيد.
تطوير ثوابت الجيش الثقافية
لا يتعلق التحول فقط بالتكنولوجيا والبرامج… التحول يحدث ما بين الأذنين. إن العوامل الثقافية والفكرية للتحول أكثر أهمية من السفن والطائرات الجديدة والأسلحة ذات التقنية المتقدمة.
ولعل الشيء الأكثر أهمية الذي يتوجب على الجيش الوطني الشعبي القيام به للإستعداد لمستقبل يتسم بالخطورة هو تغيير ثقافة جاهزية أمننا القومي وزيادة الجهود لتوعية المواطن الجزائري. لقد اعتاد الجزائريون، بصورة تقليدية، على رؤية الحرب كصراع بين صديق وعدو، وهذان الجانبان محددان بشكل واضح، ويشتبكان بميدان قتال له حدود وأبعاد معينة، حيث تكون النتائج على هيئة غالبين ومغلوبين، بشكل قاطع، وبمعنى آخر، كان الجيش الجزائري يشعر بالإرتياح لفكرة ميدان القتال المتسق. كان هذا النوع من القتال على هذا النوع من الميادين سهل الفهم والترجمة إلى تشكيلات عسكرية ومعدات وتدريب. كان نوعا نظيفا. وقد أدى انتهاء الحرب على الإرهاب في الجزائر والإنتصار الساحق في العمليات الإقليمية دون الحرب إلى إعاقة القدرة الجزائرية كأمة وكقوات مسلحة، على إدراك ما سيحدث بعد ذلك. وحتى يومنا هذا، يرى البعض المعركة التقليدية كأسلوب وحيد للقتال. وهم يعتقدون أن كل ما على الجيش الوطني الشعبي الجزائري فعله لكسب حروبه الحديثة هو أن يقاوم ويجهض أكبر عدد من المؤامرات.
وحتى يتمكن الجيش الوطني الشعبي من رفع قدرته على النجاح في نزاعاته الحالية والمستقبلية إلى الحد الأقصى، يتوجب عليه تغيير هذا التفكير. لقد تطورت التهديدات، لذلك يتوجب على كل من الأمة الجزائرية وقواتها المسلحة تعديل أوضاعها بما يتناسب مع ذلك التطور. ويجب أن يتضمن جزء من هذا التغيير تقييما صارما لما يجب أن تقوم به الجزائر لزيادة فرص النجاح عند اتخاذ القرار بمواجهة تهديدات داخلية أو خارجية، إلى أقصى حد ممكن. إذ لم تذهب الجزائر كأمة ومعظم المواطنين إلى مواجهة التهديدات منذ نهاية العشرية السوداء. وبدلا من ذلك، كانت وزارتي الدفاع والخارجية (بما تسمح به قدراتهما الحديثة) ومعهما مصالح الإستخبارات العسكرية، في حالة حرب، بينما كان أغلب المواطنون الجزائريون ومعظم مؤسسات القوى الوطنية الأخرى يمارسون أعمالهم العادية.
وهناك مثل ظاهر على ذلك وهو بطء عملية التدبير. إن إمداد القوات المسلحة الجزائرية بعقيدة عسكرية تحتوي على روح ووسائط التعاطي مع أكبر عدد ممكن من المخاطر وبدائل محسنة بدرجة فائقة. باختصار، كانت القاعدة الأمنية الجزائرية تعمل إلى حد وفق أسس وقت السلم، مقارنة بالتهديدات الإقليمية التي قام فيها الجيش الوطني الشعبي بالإسراع في رفع قدرات يقظته وإنتاج سلوكيات عملياتية توازي وتنامي المخاطر الجهوية.
وقطعا يجب الوعي بأن أحد أسباب قوة الدفع العسكرية كان سلسلة من الإفتراضات الإستراتيجية الصحيحة عن الفترة التي كان على القوات المسلحة الجزائرية أن تتواجد خلالها وراء خطوط النار الإقليمية. ففي السنوات الأولى من ما يعرف ب(ثورات الربيع العربي)، افترض القادة المدنيون والعسكريون تكرارا أن مستويات القوة يمكن أن تنخفض بشكل منتظم مع مرور الوقت. وبناء على ذلك اتخذوا العديد من قرارات تأمين الموارد. إن ذلك يلقي الضوء على خطورة الإفراط في التفاؤل، خاصة فيما يتعلق بالعمليات العسكرية التي يصعب في الأساس توقع ملابساتها، وهو ما يشير بوضوح إلى أن التخطيط الإستراتيجي يجب أن يعطي اهتماما أكبر لأسوأ الإحتماليات الممكنة.
وتثير تحديات الجيش الوطني الشعبي الحالية السؤال المشروع عما إذا كان بإمكان الجزائر، أو أية دولة ديمقراطية أخرى، المشاركة بنجاح في حرب موسعة دون التزام قومي حقيقي. إن التاريخ مفعم بالأمثلة عن دول حاولت أن تحارب دون وجود دعم شعبي ودون الإلتزام بمواردها القومية، وكانت غالبا ما تجد تلك الدول نفسها منهزمة في ميادين القتال بعيدا عن أرض الوطن.. إنه سر إلتزام الجيش الوطني بمنطق القلعة والإدارة السيادية للدفاع الوطني.
إن التاريخ الإستراتيجي للعلاقات الدولية هو تاريخ عمليات التغير. ويعد ميدان القتال الحديث – وهو مكان متعدد التهديدات -، يصعب تحديد معالمه بدقة، تكون فيه مقدرة أمة ما على استخدام عناصر قواها القومية غير الحركية بنفس أهمية استخدام قوى النيران لتحقيق النصر – يعد ثوريا للغاية بما يدعو الجيش الوطني لتوعية المواطن الجزائري بعواقبه -. وقد أظهرت التوترات الإقليمية والحرب على الإرهاب أن الحروب سوف تمتد لفترات أطول وستكون أكثر تكلفة، وأن تحديد كل من النصر والهزيمة فيها سيكون صعبا. والجزائر كأمة ناضجة عليها أن تفهم ذلك في المرة القادمة التي تقرر فيها التزامها بخوض الحرب ضد تهديدات مصيرية.
إعادة تحديد أدوار ومهام الجيش الوطني الشعبي
من أجل تحسين قدرة الجيش الوطني الشعبي على تحقيق النجاح في ميدان القتال الحديث المعقد، تحتاج القوات المسلحة بشدة إلى القيام بإعادة النظر بجدول من الأعلى إلى الأسفل لأدوار ومهام كافة عناصر قواها القومية.
وهي تتضمن كل قطاع يساهم في تحقيق التأثير الدبلوماسي والمعلوماتي والعسكري والإقتصادي الجزائري. ففي كل موقف إقليمي قامت به الجزائر منذ نهاية حربها على الإرهاب، كان هناك قصور شديد في إيجاد أسلوب متكامل وتفهم لمهام وقدرات كل مقدرة من المقدرات الأمنية القومية. ولسنوات قام البعض من القوات المسلحة الجزائرية بانتقاد الشركاء الإقليميين لعدم مساهمتهم بالقدر الكافي في جهود الجزائر السلمية الإقليمية. بينما قام البعض بجيوش القوى الكبرى بانتقاد القوات المسلحة الجزائرية لعدم توفير التأمين الكافي نظرا وثباتها من وراء حدود قلعتها القومية.
وقد كان ما توصلت إليه هو أن أصابع الإتهام تلك تضيع الوقت وتخطئ في التصويب. فالمشكلة الحقيقية هي أن الجيش الوطني الشعبي يفتقر إلى رؤية شاملة لما يجب أن يسهم به كل شريك من المجتمع الجزائري أو حلفاء إقليميين في خطوط النار الجهوية. وبدلا من ذلك توجد فجوة كبيرة بين ما يحتاجه الجيش الوطني الشعبي في النهاية لتحقيق النجاح وبين الموارد المركبة التي يمكن للحكومة الجزائرية تحمل تأمينها. إن هذه “الفجوة في القدرات” ليست خطأ أي من قوات الجيش بحد ذاتها ولكنها نتاج عدم قيام الحكومة الجزائرية بوضع تعريف دقيق لما تتوقعه من كل قوة من القوى القومية في الإسهام في حلول السياسة الجزائرية الخارجية. ونظرا لهذا القصور في التوجه، فقد فشلت الجزائر في بناء دروع إقليمية حقيقية نحتاجها في الوقت الحالي.
نظرا وطبيعة التحديات المستقبلية، علينا كأمة أن نقرر الدور الذي يجب أن يكون على كل من مؤسساتنا القيام به لتحقيق وضعنا وهيبتنا الإستراتيجية المنشودتين، ومن ثم إمدادها بالموارد اللازمة لتحقيق هذا الوضع وتلك الهيبة. فعلى سبيل المثال، عندما نريد زيادة الحيوية الطبيعية لأمة ما، فهل نرسل خبيرا زراعيا من وزارة الزراعة، وخبيرا في الحكومة من وزارة الخارجية، وخبيرا في القانون من وزارة العدل، أو نرسل هؤلاء الخبراء من الجيش الوطني الشعبي، حيث أنها الأقدر على تعبئة وإجبار الأفراد على التواجد بالمواقع الهشة والخطرة؟. ومهما كانت الإجابة، فإنها يجب أن تنظم وتفهم بحيث يمكن للهيئة المسئولة الإستعداد بشكل سليم للإحتمالات المستقبلية.
وبمجرد وضع المسئوليات التي تقع خارج نطاق العمليات الأمنية التقليدية والإعتبار الفوري لما بعد اللاإستقرار، فإنه يكون على كل قوة من قوات المقدرات الحكومية العمل على تعديل وضبط تنظيمها من أجل تلبية المتطلبات التي يجب أن تدخل ضمن البناء الأشمل للحكومة. وفي الغالب تتضمن هذه التعديلات زيادة الموارد المخصصة للعناصر غير العسكرية من قوى الدولة القومية، مثل وزارة الخارجية. كما يمكن تقرير حاجة الدولة الجزائرية إلى إعادة تطوير إمكانات مؤسسات تحليل المعلومات وجمع المعطيات. ومع ذلك فمن الواضح أنه في مثل ذلك النوع من التحديات حيث يتحدد معظم النجاح الذي يحققه الجيش الوطني بواسطة وسائل غير حركية من قوى الجزائر القومية. بالتالي يتوجب زيادة الموارد المقدمة للقطاعات الإستراتيجية الأكثر قدرة على إظهار تلك القوى.
كما على الحكومة الجزائرية أن تدرس طرق استخدام بعض العناصر غير الحكومية الأكثر فعالية لقوى الجزائر القومية بشكل أفضل، كالجامعات والأعمال والمشروعات الخاصة والموارد الأولى التي تعد محور تأثير الجزائر في المصفوفة الإقتصادية الإقليمية والعالمية. فالجامعات الجزائرية، على سبيل المثال، مليئة بالزراعيين والمهندسين والإقتصاديين الذين إذا ما تم طلبهم ودعمهم، سوف يتقدمون للمساعدة في تطوير التنمية غير العسكرية والسلطة الوزارية في الدولة الجزائرية. كما يفعلون اليوم في بعض الحالات. ويكون على القيادة الجزائرية التطلع لتطبيق نماذج من تركيبة القطاع الخاص/ الحكومة في العمليات المستقبلية عندما تقع الوسائل الهامة لتحقيق أهداف الجزائر خارج الأدوار العسكرية التقليدية. إن القوة الإقتصادية القومية تكون في أغلب الأحوال أكثر أهمية من القوة العسكرية في ضمان الأمن الإستراتيجي، وبالإضافة إلى ذلك، فإن رخاء الدولة الجزائرية ومواطنيها هو ما يصبوا إليه الآخرون – وليس قوة الجزائر العسكرية. كما يكون على القيادة الجزائرية أن تتطلع على الدوام إلى أساليب متجددة لرفع هذا العنصر التأثيري لقوى الجزائر القومية من أجل مساندة أهدافها الأمنية بالخارج.
الضرورات الجزائرية العسكرية
وبمجرد اتخاذ القرار باستخدام القوة العسكرية، يتوجب على القيادة العسكرية الجزائرية قبول كون العناصر الحاسمة للقوة المطلوبة للغلبة عناصر غير حركية في معظم التهديدات الحديثة. وبينما يتوجب على الجيش الوطني الشعبي المحافظة على قدراته الرئيسية من اجل دحر التهديدات بواسطة القوة العسكرية التقليدية، فإنه يجب أيضا أن يكون قادرا على أن يقدم للمواطنين الجزائريين المتأثرين بوسائط تلك التهديدات الأمل بأن الغد سوف يكون أفضل لهم ولأبنائهم بسبب الجاهزية المستدامة للقوات المسلحة. وبمعنى آخر، على عكس فكرة أن القوة تفوز دائما في نهاية الأمر، على القيادة العسكرية أن تفهم أنه لا يمكن حل جميع المعضلات الأمنية الحديثة باستخدام البندقية فقط.
وهناك حقيقة أخرى يجب قبولها من قبل القوات العسكرية الجزائرية ألا وهي: يجب أن تبحث قوات الأمن القومي الجزائري بشكل متواصل عن سبل إعادة تشكيل الهياكل الأمنية التنظيمية، مع زيادة التكامل الأفقي الداخلي.. فهذه هي الطريقة التي تعمل بها الكثير من التهديدات الصلبة ويمكن بها وضع قوات أمننا القومي التي تسير بطريقة تقليدية (نظامية) ومتشعبة، حتى لا ترهن عمل الهياكل الأمنية فقط وفق ظروف التهديدات غير التقليدية غير المتسقة.
ولسوء الحظ هناك الكثير من قدرات الجزائر الأكثر أهمية التي تدار بسرعة بيروقراطية، وليس بالسرعة المطلوبة لمستوى المواقف العملية المختلفة. فالجزائر تمتلك حد أدني من التكنولوجيا التي تمكنها من المشاركة المعلوماتية بصورة أسرع. إلا أن عمليات الموافقة النمطية المتشعبة النابعة من التراث الجزائري يمكن أن تبطئ من نقل تلك المعلومات. أما التهديدات فإنها لا تعمل وفق تلك القيود، ومن ثم فإنها غالبا ما تصنع دوائر من حول الجزائر، خاصة في البيئة المعلوماتية، وكذلك في ميدان المواجهة المسلحة السريعة التغير والتطور.
هناك طريق واحد للمساعدة في إعادة بناء مقارباتنا الأمنية وهو أن يقوم القادة العسكريون الجزائريون بتوسيع تركيزهم إلى أعلى وإلى أسفل التسلسل القيادي. لقد فهم القادة العسكريون الجزائريون بالقوات البرية، وبشكل تقليدي، نية قادتهم لمستويين أعلى وقاموا بنقل نيتهم لمستوى تشكيليين أدنى، وإني أعتقد بثقة أنه في ميدان المواجهة الحديث القادة بحاجة إلى توسيع تركيزهم ثلاث مستويات أو أكثر في كل إتجاه. وأنا لا أقترح أن الجيش الوطني الشعبي يجب أن يتجاوز التسلسل القيادي أو التصرف على مستوى المرؤوسين. ولكن التجارب الميدانية للوحدات الجزائرية وضعتنا أمام مدرك يقضي وأن عمليات القوات المسلحة الجزائرية لامركزية بدرجة متفاوتة وأن كل منطقة من مناطق العمليات تختلف عن الأخرى بدرجة تجعل القادة الميدانيين في حاجة إلى توسعة تفهمهم للعمليات فيما وراء ما كان يعمل لصالح الجيش الوطني بشكل متعارف عليه في ميدان المواجهة والإصطدام التقليدي.
يمكن دعم إعادة تشكيل وصياغة عقيدة عسكرية جزائرية عن طريق مزيد من العمل على تمكين التكامل الأفقي غير المقيد والنقل السريع والمجدي للمعلومات العسكرية السيادية. ففي بعض الأحيان لا تأتي المعلومات الأكثر حساسية بميدان مواجهة التهديدات عن طريق التسلسل القيادي، وإنما من مصادر خارجية. ويكون على قيادة الجيش الوطني تمكين أولئك الأكثر حاجة لتلك المعلومات من الوصول إليها دون المراجعات التي يفرضها التسلسل القيادي بصورة تقليدية. ويقترب من ذلك كثيرا الحاجة إلى المراجعة المتواصلة لكيفية تصنيف القيادة للمعلومات والسيطرة عليها. أنا أعتقد أن القوات المسلحة الجزائرية تميل إلى المبالغة في عملية تصنيف المعلومات التي تكون إما سريعة التلاشي أو لا تستحق التصنيف على الإطلاق. وذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى تقييد المعلومات الحساسة بقنوات سرية لا يكون في إمكان قادة الوحدات الصغيرة الوصول إليها. ومن الناحية التكنولوجية، يمكن تناول هذه المشكلة عن طريق زيادة عدد الأدوات المتاحة لنشر المعلومات السرية. أما الآن فيمكن دعم عملية حل المشكلة باستخدام المزيد من الفكر والإطلاع في تقرير ما هو بحاجة بالفعل للتصنيف كمعلومات سرية منذ البداية.
أما تفتيت القوة فليس هو الحل. ونظرا لتعقد الأزمات الأمنية الإقليمية في الوقت الحالي، فإن البعض يرى أن الجيش الوطني الشعبي يجب أن يعيد تنظيم قواته إلى نوعين من الوحدات: تلك التي تعمل فقط عند مستوى عالي الكثافة من العمليات. وتلك المصممة والمجهزة لقتال منخفض الكثافة والعملية الكلاسيكية في حماية الأمة. وتقوم القوة عالية الكثافة، بعد أداء وظائفها، بتسليم المسئولية إلى القوة منخفضة الكثافة. هذا الحل غير دائم ولا يمكن تحمله: فالجيش الوطني الشعبي ببساطة لا يمتلك الموارد لتقسيم القوات المسلحة إلى تشكيل “قتال” وتشكيل “إستقرار”. وبدلا من ذلك، على القيادة العسكرية الجزائرية التركيز على التطوير الشامل لقدرات الجيش بجميع تشكيلات القوات المسلحة. وبناء على ذلك، وعند قيام قوات الجيش بزيادة قوة العمليات الفعالة، يكون على القيادة دراسة زيادة العدد وضبط نسب الوحدات المتخصصة وغيرها التي تلعب أدوارا حساسة في عمليات الإستقرار الوطني.
إستكشاف البيئة المعلوماتية
من الوجهة الإستراتيجية، قامت عمليات الإرهابيين بالإنتقال من نمط الحملات العسكرية المدعومة بعمليات المعلومات إلى حملات للإتصالات الإستراتيجية المدعومة بعمليات حرب العصابات والعمليات الإرهابية.
قد يكون العامل الأكثر حسما الذي سوف يقرر الفائز في الصدامات المسلحة الحالية والمستقبلية هو أي من الجانبين يمكنه الحصول على ميزة متماسكة في البيئة المعلوماتية الشمولية الممتدة في جميع أرجاء الأرض، قريبا من وبعيدا عن “الخطوط الأمامية”.
وباختصار، إن القائد الذي يسود في حرب المعلومات يكون تقريبا على يقين من الفوز بالحرب نفسها. هناك تصور مزعج عن كيفية رؤية أعداءنا وأصدقاءنا ومجتمعاتنا للحرب وغالبا ما يكون ذلك بصرف النظر عما يحدث على الأرض، فإذا لم يكن في استطاع مقدرات القوة القومية الجزائرية أن تقوم بالتأثير في تصور العالم بصورة أفضل من خصومنا، فإنه حتى أكثر خطط العمليات الأمنية والعسكرية عبقرية لن يكتب لها النجاح في غالب الأمر. إن ذلك ليس ظاهرة جديدة، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، قد اكتشفت في فيتنام، حينما تصور العالم الغربي الهزيمة الكارثية لفيتنام الشمالية في معركة تيت على أنها نصر استراتيجي للشمال. إن ما يجعل البيئة المعلوماتية اليوم تشكل تحديا أكبر من ذي قبل هو الإنفجار التكنولوجي الذي يربط العالم بسرعة شبه لحظية، مما يصعب الأمر على الحكومات والجيوش الديمقراطية التي تقدر الدقة والحقيقة في التنافس مع الأعداء الذين لا يقدرونها.
والآن، أكثر من أي وقت مضى، من الضروري أن يفهم القادة العسكريون الجزائريون على جميع المستويات ليس فقط كيفية تأثير أفعالهم وأفعال مرؤوسيهم على الموقف الفوري الذي يحاولون التأثير فيه، ولكن أيضا كيفية تلقي المواطن الجزائري والجوار الإقليمي لنتائج تلك المواقف والأفعال. وبالطبع، ما زالت تنطبق الحكمة القديمة التي تقول: “لا شيء ينجح كالنجاح”. وأن أفضل الطرق لتحقيق النجاح في حرب المعلومات هو النجاح في الحرب نفسها، إلا أن ذلك لم يعد كافيا. إن القوات المسلحة الجزائرية عليها أن تحسن من قدرتها على المنافسة في مجال المعلومات بدرجة كبيرة، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق ترقية إمكانيات الجيش الوطني في المجالين التقليديين، وهما عمليات المعلومات والشؤون الخارجية. والتأكيد على أن القادة العسكريون في الجزائر قد حازوا على المهارات الهامة والحدس المطلوب لفهم الآثار المعقدة من الدرجة الثانية والثالثة لقراراتهم، وكيف أنها سوف تعرض على الكثير من الجبهات المختلفة. ورغم أن ضباط عمليات المعلومات والشؤون الخارجية يقدمون دعما هاما لهيئة القيادة في حملات المعلومات، إلا أنه يكون على القادة العسكريين الأخذ بزمام المبادرة والمشاركة بشكل وثيق في عملية ضمان أن الجوانب المعلوماتية من العمليات العسكرية السيادية قد وضعت في الإعتبار في أي فعل تقوم به القوات المسلحة الجزائرية. إنه أمر بالغ الأهمية لنجاح الجيش الوطني الشعبي.
في بعض الأحيان يحظى الحدث الأمني باهتمام قومي أو عالمي، إلا أنه غالبا ما تستهدف عمليات معلومات التهديدات الصلبة مناطق سيادية محلية أصغر كثيرا. ولأن تلك التهديدات لا تتقيد بنفس القواعد التي تتقيد بها القوات المسلحة الجزائرية، فإن الهجمات المعلوماتية لها تكون فعالة بدرجة كبيرة. وقد فشلت القوات المسلحة في كثير من الأحوال في الأخذ بزمام المبادرة أو حتى في الدفاع عن الشبكية الإتصالية الميدانية في البيئة المعلوماتية. لذا كان لزاما على الجيش الوطني أن يبحث عن سبل استقلالية لتحسين تنافسيته في هذا المجال الخطير.
عمليات المعلومات
فبالنسبة إلى الكثيرين في الغرب تعتبر عمليات المعلومات التي تتضمن أية عناصر خداعية أو دعائية لعنة على الديمقراطية وتهديدا للصحافة الحرة. وبينما يكون ذلك بحق خطأ أحمر عندما تسيء حكومة ما، أو جيش ما، استخدام المعلومات، إلا أن عمليات المعلومات تعد عنصرا أساسيا من عناصر استراتيجية المعلومات لدى الجيش الوطني الشعبي، وعلى هذا الأخير مواصلة العمل على تحسينها. ويجب عليه أيضا إدراك كون مصطلح العمليات النفسية مفارقة تاريخية لا بد من استبدالها بمصطلح عمليات المعلومات الأقل عدوانية. وبصرف النظر عن القيمة التي يسبغها الجيش الوطني على عمليات المعلومات، فقد أوضحت التهديدات بشكل جلي أن مفتاحه لتحقيق النصر هو تحقيق السيطرة في هذا الخط الحيوي للعمليات.
وقد لخص توماس إل فريدمان في كتابه “العالم مسطح”، ما يعنيه تكاثر تكنولوجيا المعلومات الرخيصة وسهلة المنال على مستوى العالم، بالنسبة إلى الإقتصاد العالمي. فتبعا لفريدمان، بمجرد إتاحة المعلومات للنخبة العالمية فقط، فإنه الآن يمكن الحصول عليها بواسطة أي شخص لديه جهاز كمبيوتر ووسيلة إتصال بشبكة الإنترنت أينما كان. وإثباتا لنظرية فريدمان، تقوم التهديدات الصلبة التي تحوم من وراء المحيط الإقليمي للجزائر باستخدام شبكة الإنترنت وما يرتبط بها من تكنولوجيا حديثة في تغذية حملتها المعلوماتية المعقدة وفي صناعة أجهزة التفجير المرتجلة بأسرع مما يمكن للقوات المسلحة الجزائرية القيام به لتأمين الإجراءات المضادة أو تدريب وسائط أمنية سيادية على هزيمتها.
لقد أبخس قوات الجيش الوطني الشعبي الجزائري تقدير الأهمية التي تسبغها التهديدات الصلبة على حملة عمليات المعلومات. وسوف تحتاج القيادة العسكرية إلى فكر خلاق من اجل تحسين موقف الجيش في هذا المجال. وأيضا إلى وضع حلول تتجاوز ما ناقشته هنا، إلا ان هناك خطوتان يمكن لقيادة الجيش الوطني اتخاذهما للبدء في السير في الطريق الصحيح، الخطوة الأولى هي ضرورة تطبيق القيادة لسياسات تستوعب الحاجة إلى عمليات المعلومات، على أن تؤمن تلك السياسات الحماية ضد سوء الإستخدام، ولكن دون أن تكون مقيدة بحيث لا يتمكن القادة العسكريون الجزائريون من مقاومة عمليات معلومات التهديدات الصلبة بفاعلية أو تمنعها من شن عملياتها المعلوماتية. ومن ناحية القادة، فعليهم إقامة جدار ناري بين عمليات المعلومات والشؤون الخارجية لمنع منتجات عمليات المعلومات من تلوين المعلومات التي تمد بها قيادة الجيش وسائل الإعلام. لن يمنع الجدار الناري الوظيفتين من تنسيق عملياتهما، إلا أنه يجب أن يكون ما ينشر في الصحف وما يذاع في المقابلات دائما على أساس الحقيقة بشكل تام كما تعلمها قيادة الجيش في حينها. ولا يتم الموافقة على نشر أو بث أي منها أو على تعديلها من قبل أولئك العاملين في عمليات المعلومات.
والخطوة الثانية هي ضرورة قيام قيادة الجيش بتحسين قدرة القوات المسلحة التكنولوجية والتنظيمية من أجل نشر عمليات المعلومات ومقاومة دعايات التهديدات الصلبة. وحاليا، الجيش الوطني الشعبي لا يرد بالشكل المناسب من أجل التعامل بفاعلية مع تلك التهديدات القادرة على قول ما تريد قوله دون عقاب. الجيش الوطني الشعبي بحاجة إلى محترفين يمكنهم تصميم حملات معلوماتية وإعداد إمكانيات للرد السريع تفوق تلك المتوفرة للتهديدات.
وكما سبق الإشارة إليه، فإنه من الضروري على قيادة الجيش أيضا تبسيط العمليات البيروقراطية التي كان أفراد الجيش يستخدمونها للتصديق على رسائل عمليات المعلومات والتخلص منها حيثما يكون ذلك ممكنا. وعادة ما تقيم المنظمات ذات التنظيم الهرمي والأساليب البيروقراطية جيدة الإعداد حواجز فعالة للمرور التلقائي للمعلومات. وهي تميل إلى تطبيق التصديق وبروتوكولات التنسيق التي كانت جاهزة قبل الإنفجار الذي حدث في تقنيات المعلومات. ولسوء الحظ، فإن المعلومات مستمرة في التدفق دون انقطاع إلى باقي التهديدات: لا تنتظر النظم البيروقراطية لتلحق بها. وهذا يعني أن صانعي القرار الذين يمكنهم نشر المعلومات بأقصى سرعة لمقاومة الإدعاءات الزائفة للتهديدات الصلبة، غالبا ما لا يسمح لهم بالوصول إلى المعلومات أو نشرها حينما يكون ذلك فعالا للغاية. ليس لدى أعداء الجزائر ذلك التقيد المعيق، وهم يستخدمون التقنيات المعلوماتية الجديدة بشكل أفضل بكثير. لذلك على قيادة الجيش الوطني الشعبي أن تعيد تنظيم تشكيلات الجيش والتقليل من التطبيقات البيروقراطية، وتحسين ما ينشأ من تدفق للمعلومات – سواء داخل الوحدات أو من قيادة الجيش إلى وسائل الإعلام – من أجل السماح للقادة الميدانيين على جميع المستويات بإتخاذ القرارات الأكثر فعالية وفائدة.
علاقات الشؤون الخارجية ووسائل الإعلام
إن التغطية الإعلامية القومية والإقليمية لعمليات الجيش الوطني العسكرية ولأنشطة التهديدات تعد بالغة الأهمية لنجاح الجيش الوطني في البيئة المعلوماتية الإقليمية. ويعتبر ذلك على وجه الخصوص صحيحا في بيئة الأخبار المتواصلة على مدى 24 ساعة يوميا. ومن أجل التعامل مع هذا الموقف، يتوجب على قيادة الجيش وضع حلول لتحسين عملية دخول وسائل الإعلام إلى ميدان القتال وحضور أنشطة القوات المسلحة، دون التضحية باستقلال وسائل الإعلام أو أمن العمليات العسكرية. ويمكن أن يتضمن ذلك أفعالا بسيطة نسبيا، مثل تسهيل الترخيص للصحفيين ونقلهم إلى نطاق العمليات القتالية، وتقديم الدعم اللوجيستي المتزايد للمعاونة في تحمل النفقات المتصاعدة. ويمكن أن يتضمن أيضا أساليب أكثر تعقيدا، مثل تشجيع وسائل الإعلام في تصميم السياسات المعلوماتية وإقامة جدران النيران التي تعالج ما يقلق بخصوص عمليات المعلومات المؤثرة في الشؤون الداخلية والخارجية. ومن المهم أيضا، رغم ما تدركه قيادة الجيش في بعض الأحيان على أنه معاملة غير عادلة من قبل وسائل الإعلام، أن تفهم وتدعم الدور الحيوي الذي يؤدوه في نقل حقائق عمليات الجيش الوطني القتالية أو سلوكات عسكرية من دون الحرب إلى الداخل والخارج.
وفي تعامل قيادة الجيش مع وسائل الإعلام عليها أيضا أن تصبح أكثر حنكة مما كانت عليه في بعض الأحيان. وقبل كل شيء على قيادة الجيش دائما أن تكون صادقة ومباشرة عند تحدثها إلى الصحافة. ففي بعض الأحوال، قام ضباط وقادة الشؤون الإعلامية باختيار استخدام وسائل الإعلام كأحد مخارج عمليات المعلومات، أو قاموا بتقديم بيانات غير دقيقة على أمل تشكيل التصور العام، وعند حدوث ذلك: فإنه يؤدي إلى إضعاف رابطة الثقة ليس فقط مع وسائل الإعلام ولكن ايضا مع الجمهور الجزائري الذي تقوم على خدمته. إن أية مكاسب قصيرة الأجل يتم تحقيقها عن طريق مثل تلك الإستراتيجيات تؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية على المدى الطويل.
وفي النهاية، حيث أن عمليات المعلومات بالنسبة لميدان القتال الحديث، على نفس الأهمية ما يتعلق وإدارة العمليات، قد يكون على القيادة أيضا أن تعيد تنظيم الحاجة إلى استحداث منصب رئيس بالجيش للإتصالات الإستراتيجية، يكون حاملا لنفس رتب القادة ويتصرف كرؤساء العمليات والمخابرات والشؤون اللوجيستية وغيرهم من قادة الأركان على مستوى الجيش الوطني الشعبي.
التدريب وتطوير القادة
على قيادة الجيش الوطني الشعبي أن تطور الثقة من أجل منح السلطة لهؤلاء الذين ترسلهم للقيام بتلك العمليات المعقدة بما يتناسب مع المسئوليات الملقاة على عاتقهم… ولن تأتي تلك الثقة إلا بالإنتقاء والتدريب للأشخاص المناسبين.
يجب على قيادة الجيش الوطني، في المناخ الحالي المعقد ودائم التغير، حيث تتشابك مستويات التهديدات بشكل متزايد أن تطور القيادة الميدانية على جميع المستويات، من الوحدة الصغيرة حتى المستوى الإستراتيجي والسياسي، ممن هم أذكياء ومتطورين بما يكفي للقيام بإجراء التعديلات المطلوبة. وعلى القيادة أن تسأل نفسها لماذا أفرز نظام الجيش الوطني الحالي بعض القادة الذين يبدو أنهم قد تلاءموا بصورة حسنة مع تعقيدات التهديدات الحديثة، مع وجود غيرهم ممن لم يفعلوا ذلك. وما الذي يمكنها فعله من أجل تحسين جودة القيادة المطلوبة على جميع المستويات. كما يكون عليها أيضا أن تضمن أن القيمة التي تسبغها على الخبرة الأوسع (مقابل الخبرة العسكرية التكتيكية التقليدية) تنعكس بصورة فعلية على أولئك القادة الذين تنتقيهم من أجل التقدم المستمر.
التدريب على المهام الخطرة
قبل سبتمبر 2001، كان قد كتب الكثيرون عن الحرب غير المتسقة أو النظامية، وميدان المعركة غير الخطي والحاجة إلى تدريب قادة يمكنهم عمل التزامن للقوى القتالية تحت ظروف غير مؤكدة وبدائية.
يجب أن تواصل القوات المسلحة الجزائرية التحديث وتوسعة برامجها للتعليم والتوعية، وهذا يعني توسيع مناهج تعليم المدارس الرسمية من أجل التكيف مع البيئة العملية الحديثة والمعقدة، مع زيادة الفرص والمنح للقادة حتى يؤدوا ما يكلفوا به خارج التشكيلات العسكرية التقليدية. وبالإضافة إلى ذلك، على القيادة العسكرية الجزائرية توفير الفرص الممتدة لأعضاء تشكيلات القوات المسلحة للعمل بشكل روتيني، ويمكن لهؤلاء الأعضاء زيادة مداركهم فيما يتعلق بما يمكن أو لا يمكن للقوات المسلحة الجزائرية المساهمة فيه بالنسبة للحلول الخاصة بالأمن القومي الجزائري. وبغرض مناقشة كون هذا النوع من التدريب المتقاطع يدمر “ثقافة المحارب”، أقول أن التعرض الواسع لتجارب خارج نطاق العسكرية التقليدية يمكنه فقط أن يساعد القادة الميدانيين في عملهم في عالم متشابك بصورة متزايدة.
التقييمات
إن كيفية تقييم قيادة الجيش الوطني الشعبي لقادتها العسكريين وترقيتهم لمناصب لها مسئوليات أكبر يرتبط ارتباطا وثيقا بكيفية إعداد القيادة وتطويرها لهم. لقد قيل أن الفرد يمكن أن يخدع رؤسائه معظم الوقت، وأقرانه بعض الوقت، ولكن لا يمكنه خداع مرؤوسيه مطلقا. هذا نوع من التبسيط، إلا أن به شيء من الصحة بلا شك. وحتى الآن، تأخذ نظم التقييم العسكرية لدى الجيش الوطني بعين الإعتبار تقييمات الرؤساء فقط عند الحكم على الكفاءة للتقدم الوظيفي. لقد فات الأوان بوقت طويل على تطبيق نظام تقييم عسكري. بالنسبة للضباط والصف ضباط، يأخذ في عين الإعتبار وجهات نظر الأقران والمرؤوسين، فيجب أن تظل آراء الرؤساء هي الأهم، إلا أنه من المهم الحصول على وجهات النظر المتفردة التي يمكن أن يسهم بها الأقران والمرؤوسون، فهي سوف تسمح لقيادة الجيش بوضع تقييم أكثر اكتمالا لقادة القوات المسلحة.
الحفاظ على الإمتياز الإقليمي
لقد استجاب الجيل الحالي من الضباط وضباط الصف والأفراد المجندين لمهام الدفاع الوطني في وقت الأزمات وفعل ما لم يفعله إلا القليل في تاريخ الجزائري العسكري: فتطوعوا للخدمة في جولات دفاعية عالية الإجهاد ومتعددة. ومع ذلك، ومع وجود احتمال للمقاومة والتصدي للتهديدات المتعددة لا تبدو لها نهاية في الأفق، فإن الجيش الوطني الشعبي قد يكون على وشك الوصول إلى نقطة سوف يجد فيها، حتى الجزائريون الأكثر وطنية، أنفسهم غير قادرين على مواصلة الخدمة. وعند النظر في تنشئة الجيل القادم من قوات الجيش الوطني، يجب أن تكون القيادة العسكرية حريصة كل الحرص على استخدام وإبقاء قدامى محاربي الجيش الوطني الذين ينبئون بتحقيق النجاح في بيئات العمل المعقدة اليوم وغدا. وإذا وقعت القوات المسلحة الجزائرية في فخ تخفيض معايير الإستخدام والإبقاء من اجل تحقيق الأهداف العديدة وتلبية المتطلبات قصيرة الأجل، فإن الأمة الجزائرية سوف تدفع الثمن غاليا.
لقد تم تقديم الكثير من المقترحات من طرف نخبة الأمن القومي الجزائري للحفاظ على جودة القوة العسكرية، إلا أنه إذا لم تحقق أيا منها النجاح المنشود، فإن قيادة الجيش قد لا تعرف ذلك إلا بعد فوات الأوان. إن الجزائر تحتاج اليوم إلى معرفة نوعية القوات المسلحة التي تريدها القيادة العسكرية في المستقبل والثمن الذي الجزائريون على استعداد لدفعه لضمان الأمن القومي الجزائري.
وداخل القوات المسلحة الجزائرية، ربما يكون أهم شيء يمكن للقيادة عمله من أجل تامين مستقبل المؤسسة العسكرية هو ضمان أن أولئك القادة الميدانيين الصغار وأعضاء الخدمة العسكرية الذين يتحملون وطأة القتال في المواجهات الحديثة لهم الكلمة المسموعة في كيفية إعادة تشكيل قيادة الجيش لقواتها المسلحة من اجل المستقبل. ونسرد سيرة حديثة قصة قيام الجنرال دويت أيزنهاور بكتابة مقالة مثيرة للجدل في أواخر عام 1920 عن الأهمية الكبيرة للدبابات في الحرب. فقد كانت آراء أيزنهاور تناقض الفكر العسكري التقليدي واعتبرت هرطقة، حتى أنه تم تأنيبه شفهيا وهدد بالمحاكمة العسكرية إذا ما استمر في إطلاقها. إن مثل هذه البلادة الفكرية في سنوات ما بين الحروب ساعدت على تأكيد أن جيش الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن مستعدا على الوجه الأمثل للمعركة في المراحل الأولية من الحرب العالمية الثانية.
يجب أن تؤدي هذه القصة إلى التنبيه، بينما نشارك في المناقشات المعاصرة عن عقيدة عسكرية جزائرية، وإلى كيفية إعداد الجيش الوطني الشعبي لقواته للمستقبل على الوجه الأمثل. ومن أجل مضاعفة فرص نجاح القوات المسلحة الجزائرية، يتحتم على قيادة الجيش التأكد من أن جميع الآراء ووجهات النظر قد شاركت في النقاش حول العقيدة العسكرية الجزائرية، وأنه ليس لدى القادة الميدانيين الصغار أي تخوف من العقاب المهني لإدلائهم بآرائهم بحرية عما هو مطلوب لجعل قادة القوات المسلحة الجزائرية وتشكيلات الجيش والفكر الإستراتيجي الجزائري في وضع أفضل.
الضرورات المعنوية والأخلاقية للجيش الوطني الشعبي
توجد لدى المتتبعين للشأن العسكري الجزائري مؤشرات مزعجة من تجارب الجيش الوطني في إدارة بعض الأزمات الأمنية الإقليمية، بأن بعض القادة العسكريين الميدانيين لم يقوموا بترسيخ القواعد والمبادئ المعنوية والأخلاقية التي توضح تعريف من تكون الجزائر كقوات مسلحة وكأمة. فقد ساعد مسلك الجيش الوطني المعنوي النوفمبري في المواقف القصوى حينما فشل الآخرون، في جعل الجزائر أمة استثنائية. وعندما تفشل القوات المسلحة الجزائرية، يمكن أن تؤدي أفعال الجيش الوطني إلى تقويض مصداقية الجزائر كقوة مقاتلة، ومصداقية مهمة الجيش الوطني وبالتأكيد مصداقية موقف الجزائر إقليميا وعالميا. ويحتاج المرء فقط إلى النظر لموقف الجوار الإقليمي المضاد لمصالح الجزائر القومية، النابع من الإدعاءات ضد القوات المسلحة الجزائرية في زمن العشرية السوداء أو في حقبة من المخاطر الإقليمية المستدامة، لإدراك مدى ضرورة التمسك بالقيادة الأخلاقية النوفمبرية وسلوك ثوري أخلاقي تاريخاني على جميع المستويات.
وعلى قيادة الجيش الوطني أن تقوي أهمية السلوك الأخلاقي النوفمبري الصحيح بتشكيلات القوات المسلحة الجزائرية في كل مناسبة، من أجل الإنطلاق إلى الأمام. كما يكون أيضا على القادة الحرص على عدم نصب الفخاخ الأخلاقية لمرؤوسيهم بمطالبتهم بالكثير جدا من العمل بواسطة القليل جدا من الإمكانيات – وهو التحذير الذي لم تنتبه له القيادة العسكرية دائما في عمليات الجيش الوطني العسكرية. إن أحد أعظم مميزات القوات المسلحة الجزائرية هو موقفها “إستطاعة العمل”، إلا أن ذلك الموقف يمكن أن يصير التزاما عندما يدفع قيادة الجيش اتخاذ أقصر الطرق الأخلاقية والمعنوية من أجل إنجاز مهماتها.
النظر إلى المستقبل
لقد تعلم الجزائريون، وتعلموا جيدا أن مأساة الأسلحة الجزائرية، على أية حال، هي وجود نقص في الحس التاريخي، فالجزائريون أحيانا ينسون بنفس سرعة يقظتهم.
بالرجوع إلى السجل غير المتسق للأمة الجزائرية عندما تعيد تنظيم قواتها عقب فترات الأزمات القومية، نجد أن الوقت قد حان لبدء مناقشة كيفية قيام عقيدة عسكرية قومية للإستعداد لمستقبل خطير. إن هذا الغرض لا يشكل تحديا للجيش والقوات المسلحة وحدهما: إنها ضرورات قومية على قيادة الجيش الوطني التعامل معها لضمان الأمن القومي الجزائري في المستقبل. وإني آمل أن تسهم الأفكار التي نوقشت في هذا المقال في المناقشات الضرورية التي يكون على جميع مسؤولي الأمن القومي الجزائري الجادين عقدها الآن بشأن كيفية الإستعداد للمستقبل على أفضل وجه.
وبلا شك، قد يود بعض الناس نسيان أزمات الجزائر الإقليمية، وهم يريدون أن تسحب القوات المسلحة نفسها من الداخل نحو الخارج على وجه السرعة وتوريط الأمة الجزائرية في اشتباك إقليمي معقد. لذلك ينبغي على قيادة الجيش الوطني وفي نفس الوقت إعداد قوات مسلحة وعناصر قوى الجزائر القومية الأخرى للقيام بالنطاق الكامل للعمليات الأمنية السيادية ضد تهديدات أثبتت أنها تماثل الجيش الوطني الشعبي الجزائري من حيث التكيف بصورة كاملة، بل وتتفوق عليه في استغلال التقنيات الحديثة في بعض الأحيان. إن هذا هو التحدي الأساسي لقيادة الجيش كما تعرف من تجاربها الأخيرة في زمن المعضلات الأمنية الإقليمية المستمرة.
في التسعينيات، عندما كانت القوات المسلحة الجزائرية تمر بفترة إختبار نفس عقب الحرب على الإرهاب، كنت أعتقد أن (عقيدة الحرب) في الجزائر قاسية لا تتحمل خطيئة الهزيمة. لتظهر القوات المسلحة الجزائرية بعدها أن ليس لديها ميزة الخيار بين الحروب التي تقاتل بها – وقد مضى عهد الحروب النظيفة “المعلنة”. في الواقع، إن القوات المسلحة الجزائرية ومؤسسات القوى القومية الجزائرية ليس لديها ميزة اختيار الوقت الذي سوف تدعى فيه وطبيعة مهمات الدفاع عن مصالح الأمة الجزائرية وتعزيزها. غير أنه لديها، رغم ذلك، الفرصة للمساعدة في تقرير كيف سوف تؤسس عقيدة الأمن القومي الجزائري للتعامل مع عالم متزايد الخطورة. ومن المهم الآن أن نعجل بمناقشة كيفية إعداد الجيش الوطني الشعبي لهذا المستقبل على أفضل وجه وفق عقيدة عسكرية قومية تليق ووضع الهيبة الإستراتيجية العسكرية الجزائرية إقليميا.
تحولات فلسفة الدفاع الوطني
كما قام الجيش الوطني الشعبي بتغيير نظرته لعمليات القوات المسلحة بعد العشرية السوداء، يتوجب على قيادة الجيش أن تعيد تقييم فلسفة الدفاع الوطني حتى تأخذ في الإعتبارات التطورات لدى المجتمع الجزائري، وتعقيدات القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى البيئة العملية الغير متوقعة. وعلى الرغم من أن قيادة الجيش الوطني الشعبي وعقيدة تنمية القيادة العسكرية قد ترعرعت في خلال أعوام الحرب الجزائرية على الإرهاب، إلا أنه يتوجب على الجيش الوطني أن يعطي اعتبار للمتطلبات العصرية للقادة والتغيرات في المجتمع بصفة عامة.
إن بناءات العقيدة العسكرية الجزائرية وأسلوب عمل القوات المسلحة الجزائرية ما زالت متأصلة في التقاليد التاريخية ومنحازة بطريقة كبيرة بافتراضات واقعية عن ما هي العقيدة العسكرية وعن ما هي أفضل الوسائل لتفعيلها. فالنخب الجزائرية تفتقر حاليا لتأملات نقدية للمسألة – تقدير لطرق أخرى للنظر في العقيدة العسكرية وتطوير الوسائط المذهبية العسكرية للجيش الوطني الشعبي. يتوجب على قيادة الجيش معرفة لماذا ليست هنالك عقيدة عسكرية قومية بدلا من السؤال ببساطة عن ما هي. هذا الفصل سيختبر عدة جوانب المتعلقة برؤية مقارباتية لعقيدة الجيش الوطني الشعبي العسكرية في القرن الحادي والعشرين ويحاول أن يقدم بعض التوصيات للتغيير بغرض تهيئة القوات المسلحة الجزائرية للتعامل مع التهديدات الجارية والمستقبلية.
على الرغم من التطورات الحديثة في سلوك الجيش الوطني الشعبي، إلا أن قيادة القوات المسلحة ما تزال تمارس وتدرس العقيدة العسكرية بنفس الطريقة المتعرف عليها على مدار الأحقاب. ما زال الأغلبية في الجيش الوطني الشعبي تفشل في فهم مغزى ما هي العقيدة العسكرية، وماذا تعني تطوير هذه العقيدة – إن وجدت -، وما هو معنى أن تكون مصمم العقيدة. على سبيل المثال، أنا أتسأل كيف يتم قبول مفهوم العقيدة العسكرية على أساس “المنشأ الإستراتيجي” مع معظم قادة الجيش؟.
هدفي هنا هو ليس انتقاض إجتهادات الجيش بشأن العقيدة العسكرية القومية، وليس هدفي أن أضعف الثقة بشأن مناهج التفكير الإستراتيجي الحالية، فالهيئات والأفراد والبرامج التي تقدم أفكار الجيش الوطني الشعبي بخصوص القيادة والإستراتيجية هم أفضل الكوادر – وهم محسودين، ويدرسوا ويقلدوا حول العالم وفي أوجه عديدة من الحياة. ولكن أنا أعتقد أنه بالإمكان تحسين وضعهم. وفي ضوء التغيرات التي طرأت على المجتمع الجزائري والبيئات العملية الجارية والمستقبلية المتزايدة التعقيد، يتطلب أن يكونوا أفضل. يتوجب على قيادة الجيش الوطني إن تعيد تقييم رأيها بخصوص العقيدة العسكرية الجزائرية وذلك للتأكد أن هذه الآراء ما زالت ذات صلة، ويتطلب التعبير بطريقة أفضل عن فلسفتها للقيادة العسكرية. إضافة إلى ذلك، يتوجب على قيادة الجيش الوطني أن تفكر في كيفية غرس العقيدة العسكرية في إطار بيئات العمليات الجارية والمستقبلية، بدلا من الإعتماد على التقاليد التاريخية.
وضحت التهديدات الأمنية الحديثة المتغيرات الكبرى في بيئات عمليات الجيش الوطني الشعبي الجارية والمستقبلية. يتوجب على قيادة الجيش أن تقوم بتغيير النماذج الإستراتيجية السابقة، ولكنها، في نفس الوقت، عليها إضافة القدرات، المهارات، والمعلومات لأفراد القوات المسلحة وأن تعيد اختبار كيف تقوم بتوصيل فلسفة القيادة العسكرية عبر مجال العقيدة العسكرية القومية، التدريب والمواد، والأفراد، وذلك للتأكد من الثبات في الوصف، الممارسة وإعادة الدعم.
يقدم هذا المقال، في الحقيقة، الخاص بالعقيدة العسكرية القومية الجزائرية، محاولة لبناء مقاربة عصرية شاملة تجاه القيادة الإستراتيجية (وسائطها وصفاتها)، القيادة (إجراءاتها وأفعالها)، والمواضيع ذات الشأن من الإستشارة وبناء الفريق. ولكن النظرة غير كاملة، والرسالة ليست واضحة في الممارسة في أنحاء الجيش الوطني الشعبي. إضافة إلى ذلك، الأوصاف والتي في الحقيقة تعرف الإدارة الإستراتيجية وتصنف مناقشة العقيدة العسكرية القومية. يفتقر الجيش الوطني في الأساس للآتي:
– التأمل النقدي على فرائض أفراد الجيش تجاه القيادة.
– التركيز المتلائم على القيادة الإستراتيجية على أنها مهارة وموضوع يتوجب أن يناقش ويطور باستمرارية في أنحاء الجيش الوطني الشعبي.
– الإنتظام فيما يسعى إليه أفراد الجيش تجاه القيادة العسكرية عندما ينظرون إلى ممارساتهم، أنظمتهم، والعقيدة عبر الجيش الوطني عامة.

بصفة عامة، بإمكان الجيش الوطني الشعبي أن يحسن فلسفة قيادته الإستراتيجية من خلال مناقشة وحوار داخلي، المقارنة الخارجية، الغرس ذهنيا والتطبيق العملي لفلسفة قيادته، والمراجعة الشاملة على كيفية انعكاس القيادة في عقيدة وأنظمة الجيش الوطني.
أولا. يتوجب على قيادة الجيش الوطني أن تشجع الحوار البناء بخصوص العقيدة العسكرية في أنحاء الجيش، ما هي العقيدة العسكرية القومية؟، كيف يتم تطويرها؟، وكيف تؤثر القيادة الإستراتيجية على الشعب والمنظمات؟. كلها مواضيع تحتاج حوار مستمر، ولذلك هذا يتنافى مع فكرة القيادة العسكرية. فشلت هيئات الجيش الوطني الشعبي في مناقشة موضوع العقيدة العسكرية القومية بطريقة كافية، ناهيك عن تشجيع الحوار بشأن فرائضها التحتية أو وسائل تحسينها. إن العقيدة العسكرية القومية الجزائرية تعلم القادة كيف تصبح الجزائر من هيبة وضعها العسكري القوي أمة استثنائية. فهذا بالطبع شيء جيد، ومن المحتمل أن يكون من أفضل الطرق لتعلم العقيدة العسكرية القومية. ولكن هذه الفكرة تفترض أن كل جندي جزائري سوف يحالفه الحظ الجيد أن يكون له دليل ميداني عسكري جزائري يعلمه ويرشده. والأهم من ذلك، هذه الفكرة لا تدرك أهمية التمعن – وهي الطريقة التي يمارس الجنود تطبيقات العقيدة العسكرية من خلالها – يتعلمون مواصفات روح القيادة الإستراتيجية، والتأمل في ممارساتهم وملاحظاتهم من أجل تحويل التلقي العقائدي العسكري إلى سلوكات قومية. الإنحياز التقليدي يخترق فلسفة الجيش الوطني التقليدية، والسبب الرئيسي لذلك هو أن قيادة الجيش الوطني تدرس نفسها والقادة العسكريين الجزائريين السابقين على وجه الخصوص على أنهم القاعدة الرئيسية لتحسين عقائد وتعاليم الجيش الوطني، وهذا يترك القوات المسلحة الجزائرية بعقيدة اجتماعية لقيادتها.
فلسفة العقيدة العسكرية القومية الجزائرية في الجيش الوطني الشعبي تديم الإفتراضات التي ليس لها مصداقية خارج القوات المسلحة اليوم، أسس قيادة الجيش من حيث تسلسل الرتب والعمل بنظام الذي يتضمن أن العمر والخبرة تحرز معلومات وقدرات أكبر بطريقة أوتوماتيكية، وأن الشخص ذو الرتب العالية يعتبر أفضل من المساعد. نموذج الجيش للقيادة العسكرية مصبوغ بنظريات السمات، فهو يركز الأهمية على الشخص ومواصفاته مثل “وجوده الجسدي” بدلا من الطريقة (على سبيل المثال: الإتصالات، التعاون، والتغيير التنظيمي). فنظام الجيش الوطني يفضل المعلومات الحالية بدلا من استمرار التعليم، فهو يدعو إلى اتخاذ القرار بدلا من الإتفاق الجماعي في الرأي. وعادة ما توصف القيادة العسكرية بطريقة تساوي الإدارة (بمعنى، التأثير الأحادي الجانب من قبل القائد على المنقادين، بدلا من التفاعل المستمر الذي يؤسس علاقة بين الأفراد).
عادة ما ينقلب الحوار المتعلق بالعقيدة العسكرية القومية وبسرعة إلى موضوع “الرؤية”، والذي يعتقد الكثير أنها مفقودة في الجيش الوطني في يومنا هذا. وعلى الرغم من أن أغلبية أفراد الجيش الوطني الشعبي على اتفاق أن القادة الذين عملوا تحت إشرافهم قد أظهروا قيم الجيش الوطني الشعبي، وبرهنوا سمات القائد، وأظهروا درجات مبهرة من الكفاءة والمعلومات، إلا أن الكثير مصرين أن هناك شيء مفقود، (هناك شعور) أن “الكيف”، “الغرض” – أو عامة – يعتبر توصيل الرؤية غامض، غير مخلص أو غائب، استنادا إلى التعقيد في البيئة العملية في يومنا هذا. أصبحت الرسالة أكثر أهمية من الشخص، المسافة الضيقة بين الرؤية الإستراتيجية والقرار الشخصي تتطلب قادة في جميع الطبقات من أجل فهم إلى أين يذهبون ولماذا. الجيش الوطني الشعبي لا يواجه هذه الحقيقة بشكل كافي، فبدلا من فعل ذلك، الجيش الوطني يقوم بالإتكال على تنظيمه التسلسلي وثقافته المنظمة، ويخسر الكثير من حوافزه العضوية وقوة الدفع.
دراسة العقيدة العسكرية القومية للجيش الوطني الشعبي عادة ما تكون دراسة عن التاريخ العسكري الجزائري وذكريات القادة العسكريين الجزائريين العظماء بدلا من تعاليم عن الإستراتيجية والقيادة نفسها. وعلى الرغم من أن الجيش الوطني قد أنتج قادة عظماء وأن تاريخه مليء بالأمثلة العديدة عن القادة العظماء، إلا أن الإختبار النقدي لموضوع القيادة عادة ما يتوقف عند دراسة الأشخاص، سماتهم وأفعالهم. الدراسات لم تختبر حقيقة كيف أصبحوا قادة عظماء أو ما هي الأشياء التي جعلت قيادتهم ناجحة. أثناء سعينا أن نكون قادة عظماء، نحاول تقليد “الرجال العظماء”، بدلا من المحاولة لتطوير قادة أكفاء، إلا أننا نترك مسألة نجاح القادة المستقبليين “لنظرية التطور”. يبدوا أن قيادة الجيش الوطني غافلة للحقيقة على أن دراسة الذات بحد ذاتها ناقصة عندما تسعى إلى التحسين الذاتي. تعتبر ثقافة الجيش الوطني نوع من الغرور والإقصاء عندما يتطلب اعتبار رأي الآخرين بخصوص القيادة: فهي تتضمن أن “الأنواع” الأخرى من القيادة ليست ملائمة وأن فكرة الجيش الوطني عن القيادة سباقة عن أفكار الآخرين، ولكن الحقيقة، أن دراسة القيادة خارج القوات العسكرية (وبعض الأحيان في “الدوائر الأكاديمية العسكرية”) قد نضجت بطريقة كبيرة إلى حد وصل إلى أن افتراضات الجيش الوطني بخصوص القيادة متساوية مع المقولة الذكية القائلة “الكرة الأرضية هي وسط الكون”. إن القيادة العسكرية تعوض فشلها في النظام من خلال ترسيخ الهيكلية التسلسلية ونشر ثقافة نظامية وطاعة. بإمكان أحد أن يتساءل فيما إذا كان الجيش الوطني يجيد إنتاج تابعين بصورة أكبر من إنتاج قادة، اعتبروا لأي درجة يعتمد نموذج الجيش الوطني للقيادة على أشخاص يتبعون الأوامر.
بإمكان الجيش الوطني الشعبي أن يستفيد من النقد التأملي للقيادة الإستراتيجية من مصدر غير تقليدي، فالأشخاص مرتبطين من خلال علاقات متكونة باستمرار وأن اختلافاتهم تلعب دور الوقود للنمو المستمر للفرد وللمجموعة.
هناك مفهوم للقيادة الإستراتيجية والذي يكسب تأييد اليوم ويعتبر مختلف تماما عن المذهب القديم، فهو مفهوم بعيد تماما عن علاقة القائد والتابع. فبهذا المفهوم، إما أنت قائد أو متعلم. ولكن أصبح التفكير الإسيتراتيجي اليوم أقل اقتصار من خلال حدود هذه البدائل. هناك فكرة القيادة بالمثل، هناك أيضا فكرة الشراكة في التابعية، إتباع القائد الخفي – الغرض المشترك. وتعتبر علاقة بقية المجموعة مع القائد فعالة، وأنا أعتقد المعلمين يرون ذلك بوضوح أكثر من معظم الشعب، ولذلك فالمدرسين يقومون بأشياء أكثر من التدريس، فهم يساعدون في تطوير أحد المفاهيم الرئيسة في العلاقات الإنسانية.
يتوجب على القيادة العسكرية الجزائرية أن ترى جميع المواقف وأن تدرك الأنماط، والتي تؤدي إلى طريقة تعاونية بدلا من القسرية، مساعدة التنظيم العسكري تجاه هدف مشترك، تحديد الأولويات، تركيز الفريق وتنظيم خبرة المجموعة للوصول إلى الأهداف. كما وأنه من الملاحظ، عدم توفر دراسات وافية عن التابعية، فهو مجال أقل تدريسا، من أهم المواضيع، ولكن لم يتم التركيز عليه. إذ يتوجب على التابعين أن يعاونوا القائد حتى يتمكن من السيطرة على الموقف، وذلك من خلال الحوار عن المشاكل والفشل، قص الحقائق، إعادة القرارات السيئة للقائد للبت فيها.
يقوم الجيش الوطني الشعبي بإحباط أي مفهوم ديمقراطي ومساواتي للقيادة الإستراتيجية، ألا من الأفضل أنه على الأقل من الأفضل اعتبار احتمالات مثل هذه الفلسفة في بعض الحالات داخل الجيش الوطني؟.
إن أسلوب قيادة مبني على الوضوح التام للغرض، أعلى مستويات من معايير النزاهة، السعي إلى اتفاق جماعي في الرأي، التمعن، الأخوة، اللامركزية في اتخاذ القرار والمبادرة، هي أهم سمات فلسفة القيادة الإستراتيجية الملهمة والناجحة: يصبح العنصر الإنساني في الحرب، كما هو في تحقيق السلام، ذات أهمية كبيرة. فالطبيعة الإنسانية هي بنفسها لا تتغير في أنحاء العالم، ويستجيب البشر في كل مكان إلى نفس الحافز. ولذلك إذا كان الرجال يثقون في قادتهم، إذا كانوا مقتنعين أن الأشياء التي يتحملونها ويحاربون من أجلها تعتبر ذات قيمة عالية، إذا كانوا يؤمنون أن الجهود التي يبذلونها حقيقة تساهم في تحقيق أهدافهم، فستأخذ جهودهم طابع التطوعية، تلقائية ومثابرة.
لم يحقق الجيش الوطني الشعبي بعد لممارسة عقيدة عسكرية قومية قيادية محسنة. مازالت القيادة العقائدية العسكرية تغرس من خلال التاريخ والقصص التاريخي، الأمثلة الشخصية، وملخصات المذاهب العسكرية، ولكن هذه الوسائل لا تقدم من خلال التعاليم أو الممارسة بتأني، فالعقيدة العسكرية تظهر كأنها شيء يحدث عندما يقوم الجيش الوطني بعمليات كبرى، بدلا من أنها أشياء يتوجب على الجنود مناقشتها وممارستها.
ولتعقيد المواضيع بطريقة أكبر، لا يقوم الجيش الوطني دائما بتطبيق ما ينادي به: فقادة الجيش الوطني أحيانا لا يمثلون بصورة مصغرة ما يناصروه. يناصر الجيش الوطني الشعبي قيادة مبنية على علم القيم، ولكنه يطبق ممارسات وأنظمة إدارة تنظيمية كلاسيكية. وبسبب فشل الجيش الوطني في التمييز بين هذان الموضوعان، الكثير يفترض أن القيادة والإدارة هما مرادفان، ولكن القيادة تعتبر أخلاقية، والإدارة هي ممارسة بطبيعتها الأساسية.
الجيش الوطني الشعبي يقدر قرارات القيادة العسكرية أكثر من بناء الإتفاق الجماعي في الرأي كما هو المفروض في معظم الأوقات. ولكن هذا ليس صحيح في كل الأوقات، الكثير من الدعامات التاريخية لنموذج قيادة الجيش الوطني غير ملائمة للبيئة العملية الحديثة المعقدة والمتقلبة. بعض العبارات العسكرية الوفية الدارجة تكشف عن انحياز القيادة العسكرية المستمر: “الموظفون موجودون لمساعدة القائد في اتخاذ القرار”، “ليس هناك خطة تبقى على قيد الحياة في اول اشتباك”، “الحل الجيد الآن أفضل من الحل الأفضل في وقت لاحق”، و “قم بالقيادة من الأمام”، فهذا الإبتذال يعكس الإعجاب للقرار، وبديهة القائد، والقيادة البطولية. والسؤال هنا، هل هناك أوقات تكون فيها العبارات التالية أكثر ملاءمة: “القائد موجود لمساعدة الموظفين (أو معاونيه الإناث والذكور) أن يتوصلوا إلى رأي جماعي” أو “قم بالقيادة مدفوعا بالغرض والرؤية بدلا من الوجود”. هل من الممكن أن تكون عبارة “ليس هناك خطة تبقى على قيد الحياة في أول اشتباك” أن تستخدم كعذر لرؤية قيادة سيئة، تجعلهم يلجؤون بسرعة إلى إدارة الموقف؟، وماذا إذا كان الحل المباشر له عواقب إستراتيجية دائمة. ربما الإستشارة والمداولة والصبر لهم مكان في القرار. يتوجب على قيادة الجيش الوطني أن تتفهم وأن تتحاور بخصوص الفرق بين اتخاذ قرارات المناورة التكتيكية وحل المشاكل، هذا من أجل بقاء وثاقة الصلة بشأن الجيش للقيادة.
يتوجب على الجيش الوطني أن يتأكد أن جميع أنظمته، إجراءاته وممارساته تشجع أو تكون ثابتة مع أشكال القيادة التي تسعى القيادة لتحقيقها. وبعض اعتبارات القيادة العسكرية الأولية هي الميل نحو الإدارة بدلا من القيادة التي تجلبها التقنية الحديثة من حيث الإدراك الموقفي الحي المتزايد وتحسينات التقنية لقدرات قيادة الجيش الوطني في الحوار والتواصل. وعلى الرغم من أن العقيدة العسكرية القومية تؤكد على أن قيادة المهمة هي “أفضل مفاهيم الجيش الوطني للقيادة والسيطرة”، إلا أن أنظمة الجيش الوطني وإجراءاته دائما ما تظهر الميل نحو شيء بغيض وهو القيادة المفصلة، داعمة للإدارة الحية بدلا من القيادة التوقعية.
إن لم تقم قيادة الجيش الوطني الشعبي بجهود متفق عليها لترسيخ مبادئ قيادة المهمات الإستراتيجية، فسوف تجازف بتعارض جوانب رئيسية لفلسفة قيادة اللامركزية أثناء استمرارية تحسين التقنية. في الغالب، سوف يستنتج النقد الذاتي أن الجيش الوطني يكرس كمية وقت وموارد غير متكافئة لإعطاء القادة القدرة على مشاهدة ومعرفة كل شيء يجري في منظومة الجيش الوطني. ولكن تعطي وقت قليل وموارد للتعبير عن عزمهم ونيتهم والتفهم الموقفي لمنظومتهم.
وهناك بالطبع تحسينات ملحوظة من الممكن تحقيقها من خلال التقنية الحديثة، ومثال لهذا في يومنا هذا هي القدرة لعمل شبكة إتصالات لأشخاص تعمل سويا من خلال مشاريع تبادل المعلومات مثل نظام قيادة نظم المعلومات القتالية BCKS)) ومجتمعات التخصص. وبسبب أنظمة مثل BCKS))، بإمكان الأفراد في الجيش الوطني أن يستلموا مهام دور قيادي في مجال واحد أو عدة مجالات أو اهتمامات خارج نطاق الوظائف التسلسلية التقليدية – وبدون التزام بالرتب، الجغرافيا، أو تكليف الواجبات. وتسهل مجتمعات التخصص المناقشة، والتعليم، والتعاون الذي يبتعد عن أنظمة الجيش الوطني البيروقراطية، ومتجاوزا الحدود العادية بين الضباط والجنود، الممارس والأكاديمي، أو أسلحة القتال والدعم. فالأعضاء يكرمون بطريقة أفضل وبصفة عامة وذلك لمساهماتهم وخبرتهم التخصصية بدلا من اعتبار رتبتهم أو مركزهم. هذه المنظمات تعطي مثال لأشكال بديلة للقيادة والتي بالإمكان (وبالفعل) أن تكون موجودة في العسكرية التقليدية اليوم – يتوجب على هذه المنظمات ومثلها أن تندمج في العقيدة العسكرية القومية للقيادة وذلك بغضر الإستفادة منها في دعم وتحسين مناخ القيادة في الجيش الوطني الشعبي.
قيادة الجيش الوطني الشعبي في القرن الحادي والعشرين سوف تتسم بالتعاون أكثر من التوجيه والقرار، بالإضافة إلى قيادة الجنود. فقيادة الجيش الوطني سوف تعمل من قبل، ومع، ومن خلال أشخاص ومؤسسات خارج نطاق الجيش الوطني. ولذلك، يتوجب على قيادة الجيش أن تدرك أن هناك ثقافات مختلفة للقيادة، وأن تعرف كيف تكيف أساليبها وطرقها لاستيعاب هذه الآراء وأن تقبل التعامل مع ومن خلال منظمات أخرى غير الجيش الوطني.
ما هي فلسفة القيادة الإستراتيجية التي يتوجب الإلتزام بها؟، مرة أخرى، الإجابة متوقفة على ما هي البيئة العملية التي سوف يواجهها الجيش الوطني، ما هو الدور الذي سوف تقوم به القيادة، وما هي النتائج المتوقعة من القادة الميدانيين. وللموافقة على هذا، يتطلب رؤية مشتركة لمستقبل الجيش الوطني الشعبي – وهذا شيء ما زال الجيش الوطني يتصارع به، على الرغم من الجهود مثل نشر ثقافة عسكرية اتصالية تواصلية. ربما تنافر الأصوات مازال قائم بسبب، وكما هو الحال في الكثير من الأشياء، أن رؤية الجيش الوطني متناقده من قبل الملاحظات والممارسة في العقيدة التنظيمية، التدريب والمواد، والقيادة، والأفراد. يتوجب على فلسفة عقيدة الجيش الوطني الشعبي أن تعكس هذه الرؤية المستقبلية، وتشرح ما الذي يجب أن تكون عليه قيادة الجيش لتلبية الحاجات الأمنية المستقبلية، بدلا من التأكيد على ما كانت عليه قيادة الجيش في الماضي.
يتوجب فهم مفهوم القيادة الإستراتيجية من منظورها المتعدد الأوجه وطبيعتها التكافلية، لا يجوز التفكير فيها على أساس أنها علم دقيق وواضح المعالم. فالقيادة الإستراتيجية هي أكثر بكثير من التعامل البسيط بين قيادة الجيش الوطني وبيئة التهديدات، وهي تعتمد على أكثر من مواصفات وكفاءات قيادة الجيش حتى تكون فعالة. يتوجب التمييز بين القيادة الإستراتيجية والإدارة الإستراتيجية، من حيث المبدأ والممارسة، مدركين أنه في بعض الأحيان، أفضل الأشخاص المؤهلين لاستلام مهام قيادية قد لا يكونوا هؤلاء من ذوي الرتب العالية. يتوجب على ثقافة الجيش الوطني الشعبي أن تشجع التعليم المستمر على مدار الحياة، التنوع، والتطوير الذاتي المستمر في إطار تنظيمي – كعملية تبادلية دائمة -. مثاليا تكون اتفاق جماعي بين أشخاص بخصوص الغرض الذي يعملون نحوه. تتأثر القيادة الإستراتيجية بالثقافة – الجوانب المتعددة للثقافة خارج نطاق المنظمة-، فهي تتطلب تقدير لأساليب التعليم والتطبيق، سيكون من الأكثر كفاءة إذا اعتبرت أشياء مثل اختلافات الشخصية، ديناميكية المجموعة، فض النزاعات بدلا من افتراض أن كل أفراد الجيش الوطني مثل بعضهم، وإجراءات مجموعات التوسط مع الرتب والتسلسل، ومشاكل الشخصية المتداخلة، والأهم من ذلك، يتوجب على قيادة الجيش الوطني الشعبي أن ينظر إليها في إطارها الصحيح – مع التفهم أن الذي كان يعتبر قيادة عسكرية فعالة في السابق قد لا يبقى فعال في المستقبل. وهو إدراك على أن قيادة الجيش الوطني عرضة لأفكار ذاتية عن القيادة والتي قد تعوق قيادة الجيش على المدى البعيد، والموافقة على أنه يجب أن تمد القيادة سعيها في تعاليم القيادة بطريقة أكثر من مهنتها الخاصة، هذا من أجل أن تكون قادة عسكريين فعالين.
يتوجب على الجيش الوطني الشعبي أن يجري تقييم دقيق لفلسفة عقيدته العسكرية القومية، العقيدة التنظيمية، التدريب والمواد، والقيادة والأفراد، وذلك للتأكد من قيام قيادته بالتعريف الملائم للعقيدة العسكرية وتطويرها.
يتوجب على إعادة التقييم ان تكون قاسية في تشكيكها، صارمة في موضوعيتها، ويتوجب أن تسعى إلى العديد من أوجه النظر. يتوجب على إعادة التقييم أن تكون متفتحة لتحديد فيما إذا كانت فلسفة عقيدة الجيش هي بالفعل جيدة مثل ما هو مطلوب، أو أنها تنبؤات ذاتية. يتوجب على الجيش الوطني أن يعمل بطريقة أقل للتمييز بين فلسفاته للقيادة وبدلا من ذلك، يجب أن يقوم الجيش بتعليم شعبه في موضوع القيادة بمنظورها الشامل. وعندما تفكر قيادة الجيش الوطني في وقائع بيئتها العملية الحالية، يجب أن تقدر ما معنى القيادة في الإطار المدني، المتداخل عبر الوزارات. وأخيرا، إنه من المهم أن نذكر أن ما نذكره دائما كقيادة إستراتيجية، هو بالفعل قيادة الجيش الوطني: فهي فعالة بسبب الثقافة التنظيمية للجيش الوطني والأسس الرسمية مثل قيادة السلطة وقانون العدالة العسكرية.
في القرن الحادي والعشرين، لا يجوز لقادة الجيش الوطني الشعبي إفتراض أنهم سيتعاملون مع قيادة السلطة، البروتوكول العسكري، القانون العسكري، أو حتى أعراف الثقافة الجزائرية لتسهيل إجراءات القيادة حولهم أو داخل منظماتهم. الكثير من ما تسلم به القيادة العسكرية في القيادة الإستراتيجية يفقد عندما تعمل مع منظمات أخرى، جنسيات أخرى، أو ثقافات. فبدلا من الإصرار على علاقات القيادة الإستراتيجية التي سوف تجعل الأنظمة العسكرية تعمل بطريقة صناعية، أو أن تضفي أعراف الثقافة العسكرية الجزائرية على الآخرين لجعلهم أكثر ملاءمة لأساليب الجيش الوطني. قد يكون من الأفضل أن تتفهم قيادة الجيش بطريقة أفضل العقيدة العسكرية بمعناها النقي، فبدلا من الإتكال على تراكمية تاريخية تجعل أنظمة الجيش الوطني تعمل أو إضفاء أعراف الثقافة الجزائرية على الآخرين، قد يكون من الأفضل أن تتفهم قيادة الجيش العقيدة العسكرية بمعناها وممارساتها النقية.