ترامب يتجاوز “لعنة” الانتخابات النصفية والحزب الديموقراطي يعزز وسائل المحاصرة

أضيف بتاريخ: 10 - 11 - 2018

– مركز الدراسات الأمريكية والعربية-

تشاطر الحزبان، الجمهوري والديموقراطي، نشوة الانتصار والارتياح لنتائج تقاسم السلطة، وإن بدرجات متفاوتة. بيد ان ميزان القوى غداة انتهاء الجولة الراهنة لا ينبيء بأفق يفضي لتغييرات حقيقية كانت تنشدها قطاعات واسعة من الشعب الأميركي، لا سيما الشرائح الوسطى الأكثر تضرراً من سياسات الحزب الجمهوري.
من المفيد المرور على خصائص المشهد السياسي الراهن، أبرزها اجماع الحزبين والمراقبين السياسيين على ارتفاع حجم المشاركة الشعبية، لا سيما قطاعي المرأة وجيل الشباب، وسُجِّل مشاركة 114 مليون ناخب، مقابل 88 مليوناً في جولة الانتخابات النصفية لعام 2014.
تميزت مشاركة المرأة بدخول 255 حلبة الانتخابات عن الحزبين، فازت مرشحات الحزب الديموقراطي بـ 93 مقعدا، مقابل 13 مقعداً لمؤيدي الحزب الجمهوري. وتصدرت المرأة عمليات التحشيد للناخبين ومطالبتها بضرورة تحقيق تمثيل أوسع انطلاقاً من حالة الغضب المتصاعدة من تساهل الجهات الرسمية مع المتهمين بالتحرش الجنسي، ابرزهم القاضي في المحكمة العليا، كافانو.
حرص المرأة على اوسع مشاركة أوضحت دوافعها السفيرة الأميركية السابقة، سواني هانت، بالقول أن اهتمامات “الجنسين مختلفة بل متباينة لاستصدار قوانين ناظمة لمسائل معينة ولديها قدرة وجلد أكبر للتعامل مع الطرف المقابل وبناء التحالفات .. والمرأة لديها اهتمامات حقيقية لاصدار تشريعات تهم القضايا العائلية بمجملها؛ ولذا فالموقع الطبيعي لها لممارسة قناعاتها وفعاليتها تبقى محصورة في بنية الحزب الديموقراطي.”
على الطرف الآخر من المعادلة، سجلت الدورة الانتخابية الكلفة الأضخم في تاريخ الانتخابات الأميركية، إذ تم صرف ما لا يقل عن 5 مليار دولار انفقها الطرفين، مما يشير إلى تعاظم دور رؤوس الأموال والممولين لكلا الطرفين والتي لا تبرر الأحجام والنتائج الباهتة للحزبين في تقاسم السيطرة على مجلسي الكونغرس.
ولعل الميزة الأهم في ميزان القوى الجديد أنه يبخس توقعات الشرائح الاجتماعية الأوسع في تطلعها المشروع لرفع تداعيات السياسات الاقتصادية عن كاهلها والحد من توغل المصالح الاقتصادية الكبرى، ويؤجل معركتها إلى مرحلة غير مضمونة المعالم.
قراءة النتائج والواقع الجديد تشير إلى تفاقم حالة الانقسام والاستقطاب لمستويات غير مسبوقة، بما انها تتخذ طابع الصراع الاجتماعي والطبقي، بخلاف حالات الانقسام الأفقية إبان الحرب الأميركية على فييتنام.
النظام السياسي الأميركي “يجدد” نفسه كل سنتين بانتخابات ممثليه في الكونغرس والرئاسة كل أربع سنوات. بالنتيجة تبقى القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الحقيقي أسيرة ضغوط الزمان إذ لا تكاد تنتهي من جولة حتى تعد لجولة اخرى، وهكذا دواليك. بيد أن “التغيير” الآتي عبر نتائج الانتخابات لا يستطيع الصمود أمام تشتيت الأنظار والاهتمامات “وافتعال” الازمات، سواء داخلياً وخارجياً.
في هذا السياق، سيستمر الرئيس ترامب وما يمثله من تدني في القيم الإنسانية بسياساته الاقصائية غير عابيء بالتعديل الطفيف لممثلي الحزب الديموقراطي وسيطرته على مجلس النواب، لكن دون تحقيقه نسبة الثلثين الضرورية لإسقاط أي مشروع قانون لا ينشده.
المكاسب النسبية التي حققها الحزب الديموقراطي ليست كافية للقضاء أو الحد من طابع الاستبداد للرئيس ترامب، وربما سيحقق ابطاء لبعض برامجه وسياساته، لكنها ليست كافية للتصدي الحقيقي للتغول الرأسمالي الجديد أو الإعداد لمرحلة مقبلة يحقق فيها تغييراً حقيقياً يعيد البوصلة إلى ما ينشده من برامج اجتماعية.
التوقعات والخيبة
تطابقت النتائج النهائية مع التوقعات الأولية لمعظم المراقبين ومؤشرات استطلاعات الرأي القائلة باحتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ مقابل تسلم الحزب الديموقراطي زعامة مجلس النواب.
خارطة التوزيع الديموغرافي للناخبين أيضاً جاءت مطابقة للتوقعات: المناطق المدينية ذات الكثافة السكانية أسهمت مباشرة في نتائج مجلس النواب – المعبر الأكثر قرباً عن مصالح وتطلعات القطاعات الشعبية. بينما المناطق الريفية شاسعة الامتداد وتحتل مركزاً اجتماعياً متدنياً مقارنة مع المدينية، فقد صوتت لصالح مرشحي الحزب الجمهوري.
الرقم السحري للحزب الديموقراطي كان ضرورة فوزه بـ 23 مقعداً في مجلس النواب، وجاءت النتيجة لما لا يقل عن 26 مقعدا؛ إذ لا تزال بعض الولايات لم تحسم نتائجها النهائية، وأحداها في ولاية مسيسيبي ستعقد جولة انتخابية بين المرشحين، الأول والثاني، لعدم حصول أي منهما على نسبة 50% في الجولة الأولى.
الحزب الجمهوري ركز جهوده على مناصب وولايات محددة، واستطاع توسيع اعضائه من 51 إلى 54 على الأقل، بانتظار اعلان النتائج النهائية لولايات لم تنجزها بعد. وسخر الرئيس ترامب وما يمثله في ذهنية مؤيديه المتشددين جهوده لحشد الدعم لمرشحيه، لا سيما لمنصب مجلس الشيوخ. ومن بين 11 مرشحاً ساندهم الرئيس ترامب وشاركهم المنصة فاز 9 منهم بمناصبهم، مما أدخل نشوة الانتصار مجددا للرئيس.
من أبرز خصائص استراتيجية الحزب الجمهوري، بتركيز جهوده وموارده على مجلس الشيوخ، أن الرئيس ترامب سينجح في تعيين ما يراه مناسبا لمناصب شاغرة في القضاء والسلك الديبلوماسي ودخول اعضاء جدد لحكومته؛ التي تتطلب جميعها مصادقة بالاغليبة من مجلس الشيوخ بمفرده.
اليوم التالي
تركيبة السلطة الحاكمة الأميركية تبقي الجزء الأكبر بيد الحزب الجمهوري، لحين حلول موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2020. فالسلطة التنفيذية والنصف الأهم في السلطة التشريعية وميزان القوى في المحكمة العليا كلها بيد التيار المحافظ والمتشدد في الحزب الجمهوري.
قادة الحزب الديموقراطي حافظوا على إرسال رسائل تهديد لنظرائهم في مجلسي الكونغرس بأن على رأس سلم اولوياتهم عند تسلمهم مجلس النواب، وما سيترتب عليه من تبديل مواقع لرئاسة اللجان المختلفة، سيشرعون باعادة اجراءات التحقيق في سجلات الرئيس ترامب المالية والضرائبية، والقضائية لإثارة زوبعه كثيفة من الغبار لشل حركته.
لن يستطيع مجلس النواب المضي بتنفيذ مطالب قواعده الشعبية بضرورة تقديم الرئيس ترامب للمحاكمة بهدف عزله، إذ يتطلب الإجراء تأييد نسبة ثلثي اعضاء المجلس، مما يخرج أحد أهم أسلحة الحزب من الحلبة قبل أن يبدأ.
بعض المراقبين يعربون عن اعتقادهم بترحيب الرئيس ترامب إقدام الحزب الديموقراطي على تفعيل اجراءات العزل، نظرأ لاطمئنانه بفشلها من ناحية، ومن ناحية اخرى سيستعيد مجد ادائه في حشد قواعد حزبه لدعم مرشحه للمحكمة العليا، بريت كافانو. استدراجه قادة الحزب الديموقراطي لهذا المربع يتيح له التحلي بصفة “الضحية،” لا سيما وأن استطلاعات الرأي جاءت بمعارضة اغلبية الناخبين بنسبة 56% لإجراءات العزل.
سلاح التحقيقات ذو حدين، يدركه الحزبان، واستخدامه من قبل أحدهم يستدعي تحرك الطرف الآخر لحملة مشابهة ضد خصومه من القيادات النافذة، لا سيما وأن تركيبة وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي تخضع لسيطرة الرئيس ترامب.
وعليه من غير المتوقع أن نشهد ما هو أبعد من تسجيل مواقف وإدامة تسليط سيف التهديد لكن دون نتائج حقيقة لأي من الطرفين، مما سيعزز مرحلة الشلل الحكومي في بعض القضايا الحساسة كالمصادقة على ميزانية الدولة التي يبدأ التداول بها في مجلس النواب وترفع من ثم لمجلس الشيوخ.
اما السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس ترامب فهي غير مقيدة بالتشاور مع الكونغرس، ويرجح مضي الرئيس باستخدام مكثف لإصدار قرارات رئاسية، كما فعل سلفه الرئيس اوباما في ولايته الرئاسية الثانية نظراً لحالة الشلل السائدة في مجلسي الكونغرس آنذاك.
اجراءات ترامب
قبل ان تتضح نتائج الانتخابات النهائية أقدم الرئيس ترامب على “اقالة” وزير العدل جيف سشينز واستبداله بمدير مكتبه قافزا فوق سلم التسلسل المهني تجسدت اصداؤها في توجيه الاتهامات له بأنه يقترب من تنفيذ قراره بتعطيل مهمة المحقق الخاص، روبرت موللر. قيادات الحزب الديموقراطي كانت حذرة في اتهامه ولم تصف الإجراء بأنه مخالف للنصوص الدستورية، كما سعى البعض في وسائل الإعلام؛ وطلبت منه فقط الرد على استفساراتها لتعليل قراره واسناده بالقوانين الناظمة. ومن غير المتوقع أن يستجيب الرئيس ترامب لتلك المطالب في المدى المنظور.
ترامب يرغب في ادخال تعديلات أخرى في ادارته، خاصة في منصب وزير الدفاع الذي يحاصره اعلاميا لدفعه تقديم استقالته كي ينجو بأقل الخسائر. المرجح أن التعديل في المنصب سيتم مع مطلع العام المقبل والتئام دورة الكونغرس بتركيبته الجديدة.
من أبرز اسلحة ترامب وأشدها فعالية بين مؤيديه إثارته موجة عداء ضد قافلة المهاجرين مشياً على الأقدام عبر الاراضي المكسيكية باتجاه الحدود الأميركية. وأعلن عن ارساله ما لا يقل عن 5 آلاف عنصر من القوات المسلحة بكامل عتادها القتالي “لحماية” الحدود الجنوبية للبلاد. وسيستمر في التعويل على نبش المسألة واستنهاض العداء الشعبي لطرف وخطر مصطنع.
في هذا السياق ينبغي عدم إهمال قدرة الرئيس ترامب ورجالات المؤسسة الحاكمة في تسخير الاعمال الإرهابية واطلاق النار الحي على مدنيين دون تحديد، إضافة لقدرته على تحشيد قاعدة مؤيديه المدججة بالأسلحة النزول الى الشوارع والاصطدام حين يشتم خطراً محدقاً على مستقبله.
كلمة أخيرة بخصوص نتائج الانتخابات: قضايا السياسة الخارجية للولايات المتحدة لم تتصدر سلم الأولويات لدى القاعدة الانتخابية، بل جاءت في المرتبة الرابعة بأفضل الأحوال بعد الرعاية الصحية والحالة الاقتصادية والأمن.