أضيف بتاريخ: 14 - 02 - 2017
أضيف بتاريخ: 14 - 02 - 2017
النفطي حولة: عضو المكتب السياسي للتيار الشعبي- تونس -مناضل في الجبهة الشعبية- ناشط نقابي وحقوقي
12 فيفري 2017
منذ صعود ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية والعالم يشهد حالة من الاحتجاجات والتظاهرات على خلفية قرار الهجرة الذي أصدره حاكم البيت الأبيض ضد مهاجري ست دول عربية وأفريقية . وقد أثار هذا القرار العنصري حفيظة كل المنظمات الحقوقية والانسانية ومثل صفعة قوية ضد مبدأ الحرية المتأصل في الثورة الأمريكية التي قامت ضد اللامبراطورية البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر وأدت الى استقلال الولايات المتحدة الأمريكية كدولة اتحادية فيدرالية . ولعله من الغريب أن يفاجئ العالم بنجاح ترامب صاحب الثقافة والسياسة الشعبوية و رجل المال والأعمال في السباق الانتخابي للبيت الأبيض ضد منافسته هيلاري كلينتون أحد صناع الربيع العبري أو ما يسمى ب ″ريع الثورات العربية ″ . وقد وصفه قائد مانشستر سيتي « بأنه أحمق وصل الى سدة الحكم ». وقد علقت عليه الصحيفة الأمريكية نيويوركر بقولها ان «انتخاب دونالد ترامب رئيسا، ليست فقط مأساة للجمهورية الأمريكية وإنما مأساة للدستور، وأضافت: “وفي مقابل ذلك، هو انتصار للسياسة القائمة على حماية مصالح المواطنين وتفضيلها على مصالح المهاجرين، وانتصار في الداخل والخارج لقوى الاستبداد وكراهية النساء شتى أنواع العنصرية”.»
واستطردت الصحيفة، “إن صدمة نصر ترامب هو حدث مقرف في تاريخ أمريكا والديمقراطية الليبرالية”
وقد وصفت صحيفة الوطن العربية صعود ترامب قائلة : «أنه لسنوات طويلة، ظن الجميع أن العالم لن يكون أكثر جنوناً مما هو عليه، ولكن الواقع كان يأتى دوماً ليخيب كل تلك الظنون، فاليوم يصعد إلى رئاسة أقوى دولة فى العالم رجل أقل ما قيل فى ذمه أنه «مجنون فاشى»، فى وقت يراه فيه مؤيدوه «أكثر صراحة وجرأة» على إعلان الحقائق أمام العالم دون التصنع والادعاء على غرار أسلافه.»
ولعل ما يمكن استنتاجه من هكذا تعاليق وتصريحات على صعود ترامب للرئاسة في البيت الأبيض أن ترامب هذا يتميز عن سابقيه بجنونه العنصري وجموحه في اعادة الاعتبار للقومية الأمريكية التي حسب اعتقاده و وفق المنهج الترامبي يجب أن تعطي الأولوية أولا وأساسا لمشاكل الأمة الأمريكية تحت شعار ″أمريكا أولا ″. هذا وقد أكد خلال حملته الانتخابية على ايلاء المشاكل الداخلية كالتأمينات الاجتماعية والهجرة العناية التي تستحقها . وللمحافظة على العظمة الأمريكية كأكبر قوة عالمية وانسجاما مع ما سبقوه في النظرة الأمريكية النرجسية المتعالية ايمانا منه بالأنا الأمريكي والمركزية الأمريكية داخل فضاء الحضارة الغربية أكد تمسكه بالدور الأمريكي المهيمن على المستوى العالمي . وفي هذا الاطار تتنزل دعوة ترامب لفك ارتباط أوروبا عن الحلف الأطلسي اذ اعتبر أن الأمة الأمريكية تدافع نيابة عن أوروبا في حلف الناتو مكلفة نفسها أعباء مادية ثقيلة لا قبل لها بها ,زادت من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية في ظل استمرار أزمة الرأسمالية العالمية بعد أزمة الرهن العقاري التي عاشتها أمريكا فجأة سنة 2008 وارتداداتها . ولا سيما اذا علمنا بأن الرئيس المنتخب دونالد ترامب، «وخلال حملته الانتخابية تعهد بإعادة النظر في التزامات الولايات المتحدة في إطار “الناتو”، إذا لم يقم بقية أعضاء الحلف بزيادة نفقات الدفاع بنسبة 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما تقرر في وقت سابق».
وفي حديثه عن الناتو أثنا ء حملته الانتخابية
أكد ترامب على ″اجراء اصلاحات على حلف شمال الأطلسي الذي شكل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية لعشرات السنين ″ باعتباره ″حلفا عتيقا ″
وقال ترامب في احدى تصريحاته أثناء الحملة الانتخابية في مقابلة أجرتها معه قناة ″أي بي سي″ «إن الحلف الذي يضم 28 دولة أنشئ في عهد مختلف عندما كان الاتحاد السوفياتي السابق يمثل التهديد الرئيسي للغرب، وإن الحلف ليس مؤهلا لمكافحة الإرهاب ويكلف الولايات المتحدة الكثير.
وأضاف “يجب أن نعيد تعديل حلف الأطلسي… يمكن تقليص عدده ويمكن إعادة تشكيله والاحتفاظ باسمه ولكن يجب أن يتغير»”
وبالموازاة لاسترجاع اللحظة القومية للأمة الأمريكية وللمحافظة على العظمة الأمريكية كأكبر قوة عالمية وانسجاما مع ما سبقوه بالبيت الأبيض في النظرة الأمريكية النرجسية المتعالية ايمانا منه بالأنا الأمريكي والمركزية الأمريكية داخل فضاء الحضارة الغربية أكد تمسكه بمواصلة الكبرياء الأمريكي والهيمنة الأمريكية على العالم الذي يجب أن يكون ثابتا من الثوابت الجوهرية في عقيدة السياسة الخارجية على المستوى العالمي .
وقد تمثل ذلك في الدعوة الى مواجهة كل من ايران كقوة اقليمية نووية وتمدد التنين الصيني كقوة تقليدية دولية اقتصاديا وتكنولوجيا الى جانب نمو قوتها العسكرية الضاربة الدفاعية والهجومية بما فيها الصاروخية في الباسيفيك.
أولا : الصين ومنذ عهد بوش ومن سبقه الذي قال عنه بول وولفويتز (نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق، ورئيس البنك الدولي الحالي) منذ دخل جوج بوش الابن وكبار مساعديه البيت الأبيض أوائل 2001 وهو يختزل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية لاستمرار نفوذ وسيطرة أمريكا على العالم « وحدها الصين تبدو كعملاق قادم بصمت وعزيمة، عبر اقتصاد هائل، وأحلاماً واسعة، وإستراتيجية ترمي لربط دول عالمية عديدة به، وتحالفات باتت تشكّل خطراً حقيقياً للهيمنة الأمريكية النمو الاقتصادي الصيني خلال الأعوام السابقة بدا العالم مندهشاً من القفزات الاقتصادية التي حققتها الصين خلال الأعوام القليلة السابقة، إذ أنها ومنذ عام 1978، بدأ إنتاجها الاقتصادي بالنمو بمعدل 9.4، ليبلغ في الربع الأول من هذا العام نسبة 10.2%.ومنذ عام 1982 ولغاية 2002، تضاعف الناتج الكلي للفرد فيها بنسبة 5 أضعاف. كما أن لديها 61 بليون دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر حسب إحصاءات عام 2004، وقد بلغت تجارتها الخارجية نحو 851 بليون دولار لتصبح ثالث أكبر دولة في العالم من ناحية التجارة الخارجية .وأمام قوتها في التجارة الخارجية، بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين عام 2005 أكثر من 200 بليون دولار. فيما تمتلك الصين 750 بليون دولار من احتياطي العملات الأجنبية، وتعد ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم. وبمقارنة أخرى مع أمريكا، فإن الصين، و للمرة الأولى، فاقت الولايات المتحدة في تصدير معظم سلع التكنولوجيا حول العالم عام 2004. كما أنها تمتّعت بفائض تجاري مع أمريكا بقيمة 34 بليون دولار من قطاع التكنولوجيا المتقدمة خلال عام 2004،» .
فاذا كان هذا ما قاله السيد بول وولفويتز عن التنين الصيني وتمدده الاقتصادي والتكنولوجي الهائل وتنامي قوته العسكرية المتزايدة قد أزعجت الادارة الأمريكية منذ خمسة عشر سنة خلت فما بالك والصين تمتلك الآن أكبر ترسانة في عالم تكنولوجيا الاتصال واتسعت تجارتها الخارجية لتكتسح كل أسواق افريقيا وآسيا بل وتسيطر على السوق المالية الأمريكية بما تمتلكه من تفوق في مدخراتها واحتياطيها من العملة الأجنبية؟
من أجل ذلك أطلق ترامب صيحة فزع . وما فات ترامب أن هذه الصيحات أطلقها بوش الابن ومن سبقوه الى البيت الأبيض ولم يغيروا من الحقيقة شيئا . زد على ذلك أن ما فات ترامب في 2017 هو تغير المشهد السياسي على المسرح العالمي وسقوط القطبية الأمريكية نهائيا وانتهاء مرحلة التفرد الدولي بالقرار منذ صعود الدب الروسي على يد بوتين . وها هي روسيا تعود من عمق المارد السوري الذي بات عصيا على الانكسار رغم هول التسونامي الاخواني الوهابي الداعشي للحركة الأصولية الاسلاموية الذي زرعته ماكينة أوباما لتستثمر فيه سياسيا , اذا تعود روسيا وسط هذا التلاطم الداعشي وأجواء الربيع العبري الملبدة بالسحب السوداء التي أمطرت موتا ودمارا , لتكون لاعبا رئيسيا في رسم السياسة الدولية طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي يرفض التدخل في الشأن الداخلي للدول . وما سيزيد من جنون ترامب في توجهه الشعبوي أن حركة التاريخ لا تلتفت الى الوراء الا لتقوم بوثبة الى الأمام ضد كل المعوقات والعراقيل السالبة للتقدم . وبهذا المعنى ألم يكن الانفراد الأمريكي بالقرار العالمي في ظل العولمة المعسكرة وخوض الفوضى البوشية الخلاقة وزرع الارهاب الدولي الذي مازال يخيم على العالم من خلال حروب دمر نفسك بنفسك حسب وصفة هيلاري كلينتون وأوباما في زرع الفتن الطائفية والحروب الأهلية أكبر قوة معرقلة وسالبة للتقدم .
وهكذا فان سياسة ترامب في مواجهة الصين محكوم عليها بالفشل مسبقا في ظل تغير ميزان القوى الدولي اقتصاديا مع كتلة شنغهاي الشرقية الجديدة وسياسيا مع كتلة دول البريكس الذين تقودهما كل من روسيا والصين ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لتعاظم قوة الصين في كل المجالات وعلى رأسها العسكرية والتكنولوجية .
ثانيا : فيما يخص ايران التي دخلت النادي النووي بكل ثقة في النفس وكل قوة فتهديدات ترامب ما هي الا بالون اختبار في سياسته الخارجية ضد حكام طهران الذين أثبتوا أمام أنظار العالم كله صمودا ورباطة جأش وهو يقودون المفاوضات الماراطونية حول البرنامج النووي السلمي . وقد نجحوا أيما نجاح في المعركة الدبلوماسية والسياسية رغم سياسة الحضر والمقاطعة . والسؤال الذي يفرض نفسه وسط هذه الحماقات التي يطلقها ترامب في مواصلة تهديداته لايران هو : اذا كان من سبقوه في البيت الأبيض على بكرة أبيهم من الصقور وعلى رأسهم بوش الأكثرهم جنونا وتدخلا في الشأن الداخلي للدول الى الحمائم وعلى رأسهم أوباما الذي اتبع منهج بسياسة الارهاب الناعمة ، اذا كان هؤلاء جميعهم فشلوا في مواجهتهم لايران المتمسكة بحقها الشرعي في امتلاك التكنولوجيا النووية للغرض السلمي والمدافعة بقوة عن استقلالها الوطني ، فهل سينجح ترامب فيما فشل فيه أسلافه خاصة وأن ايران اليوم جزء لا يتجزء من محور دول البريكس بزعامة روسيا والصين ؟
وعودا على بدء , فاذا كان مصير تهديدات ترامب هو الفشل الحتمي للصين ، أليس من نتائج ذلك الفشل وببساطة , ودون تفلسف كبير ولا عناء في التفكير ، هو فشله الحتمي في مواجهة ايران الحليف الدائم للصين وروسا ؟
ونأتي الآن الى السياسة المقارنة بين ادارة بوش وكل من سبقوا ترامب . لمن يعتبر أن ترامب أكثر تطرفا وجنونا في سياسته الداخلية أو الخارجية ؟ ألم يمارس بوش على سبيل المثال العنصرية في أبهى مظاهرها عند أول خطاب له لما اعتلى البيت الأبيض عندما قال: نحن في حرب صليبية معتبرا أن ″الحرب على الارهاب هي حرب صليبية ″والذي أعادها مرة ثانية في حديثه للصحافيين حيث قال ″”هذه الحملة الصليبية…هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق فترة من الوقت.″”
و اذا ما سلمنا بأن تاريخ الحروب الصليبية يحيلنا الى القرون الوسطى والى صدمة تاريخية بالنسيبة للعالم الاسلامي حضارية فان ذلك يعد حربا عنصرية بغيضة تدعو للكراهية والأحقاد والتباغض بين الأجناس . ألم يستعمل بوش الابن في تلك المرحلة فزاعة ارهاب القاعدة ، التي صنعتها دوائر المخابرات الأمريكية والصهيونية ابان التدخل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان ، اذا ألم يستعمل بوش بروباغاندا القاعدة لمطاردة المهاجرين المسلمين والعرب تحت شعار″ هذا على الحساب قبل أن أقرأ الكتاب ″؟
اذا فما هو الجديد في سياسة ترامب الشعبوية ؟ وببساطة الجديد يكمن في وضوح ترامب في سياسته الداخلية والخارجية كما جاء على لسان السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله في خطابه ليوم الأحد 12 فيفري 2017 خلال الحفل التأبيني للشيخ حسين عبيد حسب ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية اعرب السيد نصر الله مساء الاحد عن شكره للرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب لانه كشف عن وجه «النفاق لأميركا مؤكدا اننا لسنا قلقون من المستقبل لأن من يسكن في البيت الأبيض أحمق ، لافتا ان الفرق بين ترامب والذي سبقه هو أن ذلك كان يضع غطاء على وجهه بينما هو الذي صنع داعش»
«واوضح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في ذكرى أسبوع فقيد العلم والجهاد عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ حسين عبيد: لكل من يكتب ويقول ان حزب الله قلق وخائف من مجيئ ترامب، ما الجديد؟ الجديد ان قبله كان هناك شخص يضع على وجهه غطاء من النفاق ويقول كلام طيب لكن يحمل العقوبات ويحارب ويدعم الحروب مثل حرب اليمن التي جوعت مئات الآلاف ويدعم أنظمة استبدادية في البحرين والسعودية ويصنع داعش لتسيء الى الدين».
وهكذا تسقط الأقنعة عن أوباما حتى تظهر حقيقة الأحمق ترامب سالكة و واضحة في سلوكها الشعبوي والجنوني كما مارسها من قبله ليندون بينيس جونسون وهو الرئيس السادس والثلاثون في حربه في الفيتنام حيث مارس كل أنواع الابادة الجماعية (1963 – 1969).للولايات المتحدة الأمريكية
ضد الشعب الفيتنامي الذي هزمه شر هزيمة ، اذا تسقط
أقنعة أوباما كما سقكت سقطت أقنعة جونسون وما بوش عليهم ببعيد .
و لعل ما يؤكد أنه لا جديد في سياسة ترامب هو ذلك الموقف العقائدي والسياسي المعادي تاريخيا للقضية الفلسطينية باعتبار الانحياز الطبيعي للامبريالية الأمريكية للعدو الصهيوني حليفها الاستراتيجي في كل زمان ومكان ، الذي قاتلت معه ونيابة عنه ضد شعبنا الفلسطيني والأمة العربية سواء في العراق أو في سوريا أو في اليمن والمثال اللبناني في عدوان تموز عام 2006 ليس علينا ببعيد . اذ تتالى على البيت الأبيض كل القادة والرؤساء من جورج واشنطن الى ترامب وهم دائمو الدعم الكلي للعدو الصهيوني ، حيث جرت العادة أن ينزل اللوبي الصهيوني بكل ثقله في كل انتخابات أمريكية.
وبعد هذا كله هل أن جنون ترامب وتطرفه وعنصريته شيئا جديدا في السياسة الأمريكية؟ الشيء الوحيد الجديد هما شئان لا ثالث لهما هما أولا وضوحه وثانيا شعبويته واعتماده على الفئات الاجتماعية الهشة ذات التكوين الهش وربما الشيء الجديد الذي يتميز به دولاند ترامب هو فقدانه للفكر والوعي السياسي وهذا في حد ذاته بشبه الى حد ما سلفه جرج بوش الابن . غير أن جديد ترامب سيكون في مرحلة جديدة على جميع المستويات من هجوم اليمين على الحكم في أوروبا واعادة اللعب داخل حدود الوطن الى تبادل أدوار كل من محوري موسكو – واشنطن في علاقة بتغير التوازن العالمي .