“إسرائيل في عامها ال70: مزايا استراتيجية وهوامش أمنية ضيقة”

أضيف بتاريخ: 09 - 02 - 2018

-مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي-

– أودي ديكل

الاستنتاج العام الذي أظهرته النقاشات التي دارت في المؤتمر السنوي الحادي عشر لمعهد دراسات الأمن القومي، الذي عُقد في 29/31 يناير؛ كان مشابهًا لاستنتاج العام الماضي، وهو أن “التوازن الاستراتيجي العام لإسرائيل إيجابي، ويُنظر إلى إسرائيل على أنها قوة إقليمية ذات تفوق عسكري بارز على خصومها وأعدائها”.

لقد تميز العام الماضي بترابط العلاقات بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية، حيث إدارة ترامب وحكومة إسرائيل تريان التحديات في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إيران كمشكلة إقليمية مركزية؛ إسرائيل لديها علاقات استراتيجية وطيدة مع موسكو، بالإضافة لدول عربية سنية براغماتية؛ تعتبر إسرائيل صديقة محتملة أكثر منها عدو، وشريكة في وقف جهود إيران بتحقيق تأثير إقليمي واسع، كذلك في الشأن الإسرائيلي – خلافًا للسابق – تهمة الجمود السياسي ليست منسوبة فقط لإسرائيل.

مع ذلك، ليس هناك أساس لافتراض أن ميزان الفرص والتهديدات في البيئة الاستراتيجية لإسرائيل، مع مميزاتها الايجابية الواضحة، سيستمر لفترة طويلة. بالإضافة لذلك، وحسبما حدد رئيس الأركان غادي ايزنكوت ان “هوامش الأمن” لإسرائيل ضيقة، بمعنى أنه رغم أن احتمالات حدوث تغير حقيقي في البيئة الاستراتيجية وفي وضع إسرائيل الأمني ضعيفة؛ إلا أنه ليس لديها مجال للمناورة والعمل واسع النطاق في حال حدث تحول في واحدة من الجبهات، الشمالية أو الفلسطينية؛ ولذلك يجب الاستعداد بمرونة تامة لمختلف السيناريوهات المتوقعة.

من بين الكثير من القضايا التي تمت مناقشتها خلال المؤتمر، برزت عدة مواضيع بشكل خاص باعتبارها تحديات أساسية أمام إسرائيل في عامها السبعين.

القضية الإيرانية: من النووي حتى الساحة الشمالية

التحدي الأبرز في الوقت الحالي هو تطلع إيران لتقوية تأثيرها في الشرق الأوسط من خلال تطوير قدراتها النووية، تطوير صواريخ بعيدة الأمد، وتوجيه نشاطات عسكرية، سياسية وغير سياسية. في أعقاب نهج الرئيس ترامب الهجومي ضد إيران وانتقاده اللاذع ضد الاتفاق النووي، الذي بدأ تنفيذه قبل عامين؛ ظهر احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، هذه الخطوة غير مرغوبة بالنسبة لإسرائيل، التي رغم سوء الاتفاق لن تخرج رابحة من إلغائه في هذه المرحلة. الخروج من الاتفاق قد يُعيد إيران لتطوير متسارع لقدراتها النووية، ويمكن أيضًا أن يجر لتأثير إقليمي واسع النطاق، مثلما أكد الوزير يؤاف غالنت في خطابه في مؤتمر أعضاء الكابينت الأمني، حتى يصل الأمر لسيناريو مواجهة شاملة بين إسرائيل وحزب الله.

في المقابل، الخيار المفضل بالنسبة لإسرائيل، مثلما تم التوصية أكثر من مرة من قبل باحثين في المعهد، هو صياغة اتفاقات موازية بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا المشاركة في الاتفاق، يكون الهدف منها تحييد تطوير الصواريخ بعيدة المدى من طرف إيران ووقف توسعها الإقليمي.

إن نشاطات إيران في سوريا ولبنان تعكس تهديدًا ملموسًا على إسرائيل، وفعليًا المزاج العام وخصوصًا في الحكومة الإسرائيلية يشير إلى أن هذا التهديد تم اعتباره فعلًا أساسي على الخارطة الاستراتيجية لإسرائيل، إذ ان الساحة الشمالية (سوريا ولبنان) تحولت في العام الماضي لأرض خصبة للتواجد العسكري لإيران وشركائها في المنطقة.

هناك زاوية أخرى ظهرت في سياق المواجهة بالساحة الشمالية هي قدرة استيعاب الجبهة الإسرائيلية واستمرار سير عمل أنظمة الدولة الحيوية في حال مواجهة عسكرية. من المتوقع أن تكون الجبهة هي الهدف الأول بالنسبة لحزب الله وشركائه، الذين تعمل إيران على تزويدهم بمنظومات صواريخ أرض – أرض مع دقة متطورة، وبالتالي فإن وضعًا كهذا غير جاهز الآن على المستوى المطلوب لمواجهة الأضرار المتوقعة.

الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

على خلفية الجمود السياسي المستمر، التطورات المرتبطة بساحة الصراع أدت لتفاقم الخلافات بين الطرفين، وزادت من عدم القة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

ممثلو الحكومة الإسرائيلية الذين ألقوا كلمة في المؤتمر عرضوا أجندة واضحة، جاء فيها أن تقدمًا سياسيًا في الشأن الفلسطيني ليس على جدول الأعمال، وليس هناك أمل في خطوة كهذه، في ظل غياب شريك من الجانب الآخر. يبدو ان إسرائيل ترى أنه من الضروري تعزيز العلاقات السياسية مع دول عربية سنية، تسعى للتعاون مع إسرائيل ضد التهديدات المشتركة، وخصوصًا إيران. وحسب هذا النهج فإنه من المناسب الاستفادة من المصالح مع الدول العربية من أجل تشكيل ضغط على الفلسطينيين للعودة لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، وفي نفس الوقت لتعزيز تسوية إقليمية غير مشروطة بتسوية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

ومن ناحية أخرى، برزت أصوات تؤمن بأن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني هو المشكلة الأخطر التي تواجه إسرائيل اليوم؛ ولذلك يجب اتخاذ إجراءات فورية من أجل التعامل معها، سيما من أجل الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية. ليس فقط أنه لا يمكن ان تتحقق تسوية إقليمية دون تقدم في الشأن الفلسطيني؛ بل لأن قرار عدم أخذ قرار بشأن أي شيء سيقود إسرائيل لواقع الدولة الواحدة. حسب وجهة نظرهم، الانفصال عن الفلسطينيين هو ضرورة في هذا الوقت، لو لم يكن بالاتفاق فليكن بخطوات مستقلة، مع الحفاظ على المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل، كل خيار آخر من شأنه أن يضر بالأسس الديمقراطية، الأخلاقية والأمنية لإسرائيل.

أما بشأن قطاع غزة الذي يشارف على الانهيار، فقد تم منحه اهتمامًا خاصًا خلال النقاشات. اتصالات المصالحة بين السلطة الفلسطينية وفتح وحماس عالقة، ورغم أن الطرفين ليس لديهم مصلحة في تصعيد الوضع؛ إلا أن الأزمة الإنسانية لها ديناميكية خاصة، وتدهور الوضع بالذهاب لمعركة عسكرية في غزة سيكون بمثابة ضربة قاتلة للقطاع. وقد أجرى المعهد مؤخرًا بحثًا حول الوضع في القطاع، وكانت نتائجه تشير لضرورة تعزيز جهود دولية وإقليمية مشتركة من أجل إعمار قطاع غزة، مقابل وقف تعزيز قوة حماس.

الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها.