ثائر في كل ثورة: ارنستو تشي غيفارا

أضيف بتاريخ: 10 - 10 - 2017

توجد تحولات كبيرة جدا في أميركا الجنوبية منذ أيام الإستعداد الأولى للثورة الكوبية انطلاقا من المكسيك وحتى تاريخ إغتيال القائد الأممي الخالد ارنسنو تشي غيفارا وإلى يومنا هذا. توجد مناقبية أخلاقية وإنسانية وثورية وفنية رائعة تخص الطفل والشاب والقائد الثائر عند كل الأجيال وفي كل الدنيا. تحضرنا مقولة مناسبة للمؤرخ جورج دوبي. نذكر بها على سبيل وضع هذا المقال في مقام ضم الواقع والحلم في يد واحدة: “إن أثر الحلم ليس أقل واقعية من أثر الخطوة”. هكذا قال المؤرخ، وهكذا نحن نتحدث عن أجمل وأجل الأشياء في الفكر الثوري وعن أنبل واعدل الأشياء في الممارسة الثورية، عندما نتكلم عن غيفارا. فالثائر الاممي لم يستثن أي منظومة غير عادلة من نقده ومن نضاله، بما في ذلك النموذج السوفييتي. شتان بين حلمه بنموذج اشتراكي أكثر عدالاتية ومساواتية وتضامنية وبين ما يعتبره مجرد تبعية الدول الضعيفة مقابل ازدهار الدول القوية وتبادلا تنافسيا غير عادل على حساب الاستغلال والنزعات التحكمية والشوفينية. وعلى ذلك، ليس من الممكن أبدا، عند الإلتزام الحق بفكره، تحنيطه في صيغ دوغمائية وترجمته إلى قلعة تاملية خاوية كل ترسانتها جمل رنانة ووصفات استهلاكية جاهزة وبلا قيمة. إذ من بين أهم الجذوات الحية والمتجددة لفكره، موضوعة النضال ضد البيروقراطية والفساد وضد التبعية العمياء. هاهنا نتذكر رسالته لصديقه ارماندو هارت وزير الثقافة الكوبية وقتذاك (1965)، عندما سجل اعتراضه الشديد على طباعة ونشر الكتيبات السوفييتية لنشر تعاليم الماركسية. هو اعتراض شاركه فيه في ذلك الوقت فارنندو مارتينيز هيريديا واورليو ألونسو وأصدقاء لهم في قسم الفلسفة في جامعة هافانا. وتشهد على ذلك إصدارات مجلة “التفكير النقدي”. ثم إن زيارته الاتحاد السوفييتي ومواكبته الانتقال  إلى الإشتراكية في كوبا تشهدان كذلك على ذلك، خاصة أيام الحوار الإقتصادي الكوبي سنوات 1963 و1964. وقتها دافع غيفارا بوضوح تام وبصوت مرتفع عن التخطيط المركز والممركز على أسس ومحددات إجتماعية وسياسية وأخلاقية لعدم ترك المجال لنشوء اشتراكية سوق تطلق العنان للشركات بدعوى الاستقلالية ولمنطق الربح بمنطق التنافس.

في الحقيقة، كثيرة هي الانتقادات والاعتراضات التي حددت مواقف ورؤى ارنستو تشي غيفارا: (ارنستو غيفارا. إن عالما آخر ممكن. بيونس آيرس 2003/ارنستو تشي غيفارا. ملاحظات حول الإقتصاد السياسي. هافانا 2006 ). وكبير هو العمل التوثيقي الذي قام به وحفظ أثره، على وجه الخصوص،  مركز دراسات تشي غيفارا في هافانا، ما تعلق ورأيه في ما يقوم به كاسترو وفي بعض ما كتب ماركس ولينين. وبالأخص  حول السياسة الاقتصادية الجديدة التي أطلقها هذا الأخير في الاتحاد السوفييتي سنة 1921؛ حيث يقول متهكما: “لو يعيش لينين لمدة أطول سيكون قد ارتكب خطأ الموت”. إنه يعتبر إقحام بعض الطروحات الرأسمالية في الإشتراكية عبارة عن تجديد وإعادة ترميم وتأهيل للرأسمالية. ويرى أن طبقة من الكوادر العليا قد تحالفت مع النظام الرأسمالي وشكلت عصبة من أصحاب الامتيازات الخاصة. اما ذروة عمله النقدي فكان خطاب الجزائر سنة 1965، عندما دعا صراحة لتصفية الاستعمار والعلاقات معه. وقال، بوصفه وزيرا للصناعة، إن الخضوع للغرب من جهة وللسوفييت من جهة أخرى شكل “جرحا للأحلام الصادقة لشيوعيي العالم”.

يظن ارنستو المسؤول في دولة كوبا أن الخيارات الإقتصادية الكبرى يجب أن تكون قرار الشعب وهو الذي يقدر كم يراكم وكم يستهلك وكيف يحدد نسبة النمو. ففي الوقت الذي تخرج فيه الأمور عن إرادة الشعب، يتفرغ المسؤولون (في المصانع مثلا) لمصالحهم المادية الخاصة. وذلك هو الأساس المتين للفساد وللبيروقراطية. وأكثر من ذلك، يسهل استهداف الثورات والاطاحة بالأنظمة. ولعلنا نذكر هنا الانقلاب المؤقت على هوغو تشافيز سنة 2002 والانقلاب الأميركي الفرنسي على الرئيس الهايتيي اريستيد سنة 2004 وكذلك الانقلاب على رئيس الهندوراس مانويل زيلايا سنة 2009.

كان لنضال ولآراء التشي أثر فعلي وجدي على التحولات التي وقعت في قارة الثورات: أميركا الجنوبية. وعلى عكس عدة قراءات غربية بالمقام الأول لم يزدد عداء الإمبريالية للغيفارية إلا لجذريتها وثورية خياراتها. ولم تكن معارك الكومندنتي يوما حروبا خاسرة ولا صراعات فاشلة. فحتى عندما ترك كل وظائفه الرسمية صلب الحكومة الثورية الكاسترية التي شارك في تاسيسها منذ ثورة 1959 وحتى تقلده على التوالي مسؤولية الإصلاح الزراعي ثم وزير الفلاحة ثم الصناعة ثم رئاسة البنك الوطني، لم يكن ذلك إلا من أجل مواصلة الحرب الثورية في الكونغو على إثر اغتيال باتريس لوممبا ومن بعد في بوليفيا. بل إن ذلك نقل تأثيره الخاص إلى أسطورة حية لا أدل عليها من بلوغ عدد المواقع العالمية التي تهتم به وتنهل منه في يومنا هذا 10 ملايين موقع.

مباشرة بعد رحيله سنة 1967، كان لاطروحة “لنكن واقعيين ونطلب المستحيل” أثرا مدويا في أحداث مايو 1968 في فرنسا ومن ثم في عموم أوروبا. اما في المركبات الجامعية الأمريكية في السبعينيات فكانت اطروحته: “لنشعل ألف فياتنام وفياتنام ” في قلب المرجعيات الفكرية والسياسية والعملية. مرة أخرى نذكر هنا بإحدى مقولاته الأكثر أهمية سنة 1965 وهي أنه “على الثوري أن يكون حيث يكون أكثر نفعا للثورة”.  وان “الكفاح المسلح هو السبيل الوحيدة للتحرير”. قال ذلك سنة 1967 متجها نحو بوليفيا معتبرا أنه على كوبا “مسؤولية الثورات الحالية والاتية”.

في المكسيك التي انطلق منها، وفي عام 1968 أي بعد تسع سنوات من انتصار الثورة الكوبية وعندما كان تشي قد غدر، وقعت تعبئة جماهيرية عظيمة أدت إلى مذبحة تلاتيلولكو في العاصمة ماكسيكو. في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1968، تم قمع مظاهرة ضخمة مناهضة للحكومة، وكانت متعددة الجنسيات وتتويجا للنضالات السابقة. وتم تشكيل مفرزة حرب العصابات في وسط غرب البلاد تحت مسمى حزب الفقراء بزعامة معلم ريفي إسمه لوسيو كابانياس الذي حوربت حركته واخمدت.

في الواقع، أدى الفشل الذريع لما يسمى الإصلاحات الليبرالية منذ انقلاب غواتيمالا وانقلاب تشيلي وحتى ما وقع في الارجنتين والبرازيل، إلى حصول ورسوخ حقيقة ومتانة خيار المقاومة على مدار خمسين سنة من حضور النضال الغيفاري. في التسعينيات تكثف العداء الثوري لأميركا وعملائها وتدعم الاعتقاد في العقيدة الثورية الغيفارية. وهكذا توسعت الحركات الشعبية في كامل أميركا الاتينية بدرجات مختلفة. وتعمقت سياسات تأميم الصناعات الرئيسية في القطاعات الإستراتيجية. وفي كل موجة من الموجات الثورية في أمريكا الجنوبية على مدى السنوات الخمسين الماضية من الأرجنتين إلى تشيلي ومن نيكاراغوا إلى السلفادور ومن غواتيمالا إلى تشياباس في المكسيك، كانت الغيفارية تتصاعد لأنها في الأصل عقيدة ثورية كفاحية لا محدودة في الزمان وفي المكان وجذرية بالكامل في الخيارات وفي الأهداف. لا ينفي كونها تبهت بين حين وحين. غير أن العمق الأخلاقي والقيمة الإنسانية للذهنية والروحية الغيفارية غير قابلة ولم تتعرض يوما للانطفاء والافول. وكما قال يوما الناشط من أجل حقوق السكان الأصليين ريغوبيرتا مينشو، “في أيامنا هذه، عندما يباع كل شيء ويشترى، بما في ذلك القيم الأخلاقية العميقة، يعود مثال تشي غيفارا ليكبر أكثر فأكثر ويأخذ أوسع وأقصى الأبعاد الممكنة.”
في نيكاراغوا، للجبهة الساندينية كما هو معروف صلة رحمية عميقة بالجذور الفكرية الغيفارية. فبعد 16 عاما غطت الساحات والاجساد صور غيفارا خلال احتفالات النصر عام 2006. اما في بوليفيا فقد دأب الرئيس إيفو موراليس على تأدية تحية الوفاء لغيفارا الخالد. هذا ويعمل على تخليد رؤاه السياسية خاصة في مجال حقوق السكان الأصليين في الأرض وفي كرامة العيش. وقد كان قام بتركيب صورة للأرجنتين مصنوعة من أوراق الكوكا في جناحه الرئاسي تبركا بغيفارا وموطن غيفارا. في عام 2006، أشار الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز إلى كون التشي “ثوري لانهائي”. وكان الراحل ينزل بين الجماهير موشحا صدره بوجه غيفارا. حتى أنه ترافق يوما مع فيديل كاسترو في جولة في منزل غيفارا الصبي واصفا الجولة ب “الشرف الحقيقي”. لقد تعودت الجماهير الثائرة في فنزويلا وكوبا وفي كل مكان على ترديد مقولة: “نحن نشعر بذلك حقا. غيفارا على الدوام هنا معنا”. في فنزويلا أيضا نشر كتاب لمقابلة جمعت ابنة غيفارا أليدا مع الرئيس تشافي عرض فيه خططه ل”أمريكا اللاتينية الجديدة” على أنها على طريق غيفارا.
في كولومبيا عن طريق منظمة الفارك ومهما كانت تراجعاتها وفي المكسيك عن طريق الحركة الزاباتية والقائد ماركوس ومهما كانت المتغيرات، لا يزال غيفارا شخصية ملهمة لحركة حرب العصابات الكولومبية والحركات الشعبية بوجه عام.
صلاح الداودي
المصدر: الميادين نت، تحت عنوان “ما تركه تشي غيفارا من ارث في اميركا الاتينية”.