أضيف بتاريخ: 01 - 10 - 2017
أضيف بتاريخ: 01 - 10 - 2017
أدهشنا دهشة الوعي بالجهل السقراطي ما سمعناه من الفنان المايسترو السوري والأستاذ المحامي عبد الحليم الحريري. ذكر لنا أن القيادة السياسية في الجمهورية العربية السورية وبمعية رئاسة الجمهورية اقرت داخل حزب البعث العربي الإشتراكي السوري منذ سنة 2005 مراجعة المادة الثامنة في الدستور السوري والتي يكثر حولها الجدل ومن أجل إطلاق الإصلاح في مجال الحريات بما يتناسب وطبيعة وجوهر وماهية وشكل وحقيقة وهيكلة نظام الحكم في سوريا. ذكر لنا ان العملية تعطلت بمقتضى الظروف والواقع الداخلي السوري والمحيط ومنه الجزء المتعلق بفئة يتم تجاوزها للاستفادة من درس دورها السلبي. هذا وتم بالمقابل الترويج لما سمي ربيع دمشق وتمت المطالبة بمحاكمة رئيس الجمهورية العربية السورية. وهذا أيضا قبل ان نطلع قبل أشهر على إعادة هيكلة الحزب والدولة في القيادات وفي المسؤوليات وفي العقيدة والادبيات والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لترسيخ ما بناه الراحل حافظ الأسد بسواعد وادمغة السوريين وتطويره والذي لولاه، بما ارساه من عقيدة وطنية سيادية ومستقلة وثورية تجاوزت الانقلابات المتعاقبة والحصار الغربي الاستعماري وتامر جزء من العرب ومعهم الأتراك وتهديد الكيان الإسرائيلي وضمان أصدقاء وحلفاء اقليميين ودوليين، لولاه لما صمدت وانتصرت سوريا قيادة وجيشا وشعبا. بعد سنة واحدة من رحيل القائد حافظ الأسد اذن بدأ العمل على إسقاط سوريا بعد إسقاط العراق بدليل وثائق وفود العدوان التي ذهبت إلى سوريا من أمريكان وفرنسيين واتراك وغيرهم ومحاولة اكراه الرئيس بشار الأسد على كسر تحالفات سوريا في المنطقة وارغامها على المساعدة على تدمير العراق سنة 2003، الأمر الذي تخطته بنجاح ورفضت الانخراط في مشاريع العدوان رغم ارتدادات مساعدة العراقيين على اللجوء والمرور. وانطلق مشروع البنتاغون المتمثل في عنوان الديمقراطية (الواهم) التخريبي ثم عنوان الفساد (المصنع والمفتعل) التدميري، وبأدوات الإرهاب وأدواته فيما بعد وأبعد منها الانفصال.
الغريب في الأمر أنه لما تم إطلاق حركة الإصلاح تلك وتعطلت، بعث الربيع. والاغرب من ذلك، بحركة تراجعية، انعدام رغبة الإصلاح من صلب من يعلنون ارادة الإصلاح عندهم هم الذين تحولوا لصناع محنة وفتنة سوريا. ما يعني ان مخطط العدوان الارهابي على سوريا في الأفق. وما يعني ان فارق 6 سنوات على الأقل من بداية ظهور مؤشرات الحرب الإرهابية الشاملة لم يغير من مخططات تدمير سوريا وإسقاطها. ورغم إصلاح الدستور ورغم الانتخابات بقي الجدل هو هو. ورغم طرح إصلاحات دستورية إضافية والشروع في إعداد دستور آخر قد يفضيه المسار السياسي الحالي حالما ينتهي نضج مرحلة إطلاقه ما بعد القضاء على الإرهاب وهزم مشاريع العدوان الغربي والعربي والخليجي والتركي التي باتت تلوح في الأفق، تتردد بصفة أقل طبعا نفس الاسطوانة مع الرئيس بشار الأسد الذي قاد كل مراحل إفشال مخطط العدوان وقلبه الى انتصار.
ما يهمنا هنا الآن هو المسار السياسي – الدستوري كمسار نقل للسلطة بمقضى فصول دستورية أو بمقتضى مجالس انتقالية وانتخابات وعزل دستوري وان بالاغتيال السياسي أو التدخل العسكري أو الحملة الإرهابية …الخ، كل بلد حسب السيناريو القابل للتمرير من تونس حتى سوريا مرورا بليبيا ومصر واليمن، باستثناء المثال الانتفاضي الذاتي الجزئي والمحدود الذي سرعان ما تم الانقلاب عليه في تونس ولكنه أخذ من كل الأشكال الأخرى فيما بعد. يحضرنا هنا بأكثر عمق ما كنا نفكر فيه منذ الأشهر الأولى الموالية لجانفي 2011 في تونس وهو المسار الدستوري التأسيسي الشامل الذي يفترض أبعد من مجرد دستور حريات على مقاس المنظمات الدولية الذي سميناه دستور غوغل- ويكيبيديا بما في ذلك للقوات المسلحة والممتلكات الاجتماعية المشتركة او المقدرات (الثروات) يعني بكلمتين السيادة العسكرية والأمنية والسيادة الاقتصادية الاستراتيجية وهو ما يدور حوله الجدل حتى الآن كمدار المخاطر والتهديدات والفشل والعجز بما في ذلك في موضوع الديمقراطية وفي موضوع الفساد، ولم تنفع حتى الان عشرات القوانين الشتات في المتعلقات بعد اقرار الدستور اكثر من سنتين بعد 2011. كان تفكيرنا وقتذاك في نصوص منشورة منكبا على دستور ثوري ذاتي وطني مستقل يتضمن مبادئ متعلقة بتجريم الجوسسة والاختراق والتبعية والتطبيع والفساد (بالمعنى الحق) وبتجريم التكفير والنهب والتخريب وحماية المكتسبات الاجتماعية وتحديد سقف أقصى لراس المال الخاص والديون الخارجية والعقيدة الوطنية الشاملة والحق في الشغل والحق في الموارد المشتركة مثل الماء والكهرباء والطاقات والبيئة … بالمعنى الصريح والقابل للتطبيق، حتى اذا كان ذلك في شكل مبادئ عليا فوق دستورية أو حتى قوانين أساسية. وبعد كل هذه السنوات من التعثر والتعطل والانهيار الاقتصادي والأزمات الأمنية تظل المراوغة هي هي وان حصل تطور، في ماعدا حرية صناعة الكلام، فسيكون في اتجاه العودة إلى ما كنا عليه اقتصاديا وأمنيا سنة 2010. ومع تساقط العملة المحلية مقابل الدولار واليورو والاحتياطات من العملة الصعبة وعلة عجز الموازنة المتواصلة وازدياد حجم التداين… وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الأخرى حتى لا نذكر بها كلها واستمرار التكفير وعدم حسم موضوع التبعية والتطبيع والفساد…الخ، حصلت لدينا قناعة منذ أشهر وما يزيد عن السنة انه دون تغيير النظام الإقتصادي وتغيير العقيدة الاستراتيجية ومؤسسات الحكم، وفي ذلك نشرنا عدة طروحات لن نجترها الآن، ارتاينا أن المرحلة تقتضي التأسيس لمنظومة دفاع وأمن ذاتية وان جمهورية ثالثة تتأسس على دستور اقتصادي – عسكري- استراتيجي صغير يضمن ما كنا نقول في منتصف 2011 ويؤسس للاستفتاء الاقتصادي على الخيارات الاقتصادية والمالية الكبرى ويؤمنه ديمقراطيا وللاستفتاء الإستراتيجي على الوجهات والشراكات والتحالفات الإقليمية والدولية الى جانب تأسيس مجلس السيادة ومصلحة حكومية كمجلس السيادة ومحكمة السيادة وقطاع الشؤون الاستراتيجية ومراقبة السياسات وشؤون الحكم… الخ، أهم وأبقى من مجرد دساتير الحريات التي لا تغير شيئا بل تعوم كل الاستحقاقات الوطنية والشعبية في أوهام لا طائل منها، ليس آخرها موضوع الفساد.
الموضوع الذي نرى فيه ان تفكيك منظومة الفساد لا تتوقف لا على تطبيق شروط الانتقال الاستعماري وضبط واعادة هيكلة الطفيليات وما يقتضيه ذلك من المصالحة مع حماة الفساد ولا على طبقة جديدة من الفساد الجديد المنظم والمهذب والمهيكل والشرعي بسحق الحلقة الفاسدة القديمة وأدوات تأمينها السياسية والقضائية والأمنية والإعلامية وإرساء نظام فساد آخر مندمج ومفكك الخلايا في الدولة وفي المجتمع المدني والسياسي وفي المجتمع تحضيرا لموجة جديدة من إعادة هيكلة النظام ستكون اكثر عنفا ناعما وصلبا، اذا ما تواصل فشله وضمه أكثر فأكثر للحكومة العالمية بعناوين الانفتاح والشفافية والحوكمة ومكافحة الفساد… وإنما يعتمد القضاء على الفساد على خط وطني مستقل معاد للاستعمار والتبعية متعدد الشراكات السيادية متعدد الاقطاب القوية غير الاستعمارية.
قبل جولة فنزويلا كان الموضوع الاقتصادي والسيادي الدفاعي والبناءي الإنمائي والتحصيني الشامل كل همنا. اندهشنا كثيرا عند سماع رؤية الرئيس مادورو للفساد والبيروقراطية وانعدام النجاعة والفعالية بما ثبت لدينا قناعة بأن الإرهاب والفساد وجه من وجوه آليات التخريب وإسقاط النظم والاوطان واستبعاد الشعوب بل آليات معارضة بالوكالة كما هي عناوين آليات إفساد وإضعاف وتازيم وإسقاط للحكم بالوكالة عن إدارة الاستعمار المعولم. بل الفساد آلية ديمقراطية فاسدة بمعنى من المعانى ولا يهم اذا مورس في الدولة من طرف من يحكم أو من يعارض بل المهم من يمارسه وكيف يدفع لممارسته ومن أجل ماذا. وأكثر من ذلك المهمة الانتخابية والوظيفة الاقتصادية والبعد الإستراتيجي للارهاب كعامل استراتيجي هو ذاته. وفوق ذلك كله، الدور الوظيفي لعوامل التدمير وعلى رأسها عامل التبعية وعامل التطبيع. ولذلك اندهشنا ايضا عند سماع رئيسة الجمعية الوطنية التأسيسية وهي تلح على مهمة “إبداع النموذج الاقتصادي دستوريا” وإحداث إطار قانوني جديد للثروات والاستثمارات والشراكات…الخ. ولما سمعنا وزير الدفاع يؤكد على ضرورة التأسيس أو التشريع الدستوري و دسترة عقيدة القوات المسلحة البوليفارية وان لم يكن كذلك فضبطها بقانون أساسي على الأقل.
وكم كان مدهشا تطابق ذلك مع ما يمكن ان نسميه حقوقا استراتيجية ثورية وحقوقا جيوسياسية وجيوستراتيجية للشعوب والدول. وبالتالي تكون وجهة كل ثورة على الاستعمار والإرهاب والفساد والامبريالية والصهيونية وكل كرامة وحرية وسيادة وتحرير ومصير وتصرف وإدارة سيادية في مختلف المشاريع والاتفاقيات خاصة الجيواقتصادية والجيوامنية والجيوعسكرية والجيواستخباراتية من صلب الحقوق الوطنية المقدسة المرتبطة بالعقيدة الاستراتيجية الشاملة في كل المجالات بما فيها العدالة الدولية، من صلب هذا التوجه. ونحن في نهاية كل تحليل يتعلق بسوريا لا نشك ببوصلتها التي ستثبت وتتثبت أكثر ويجمع عليها أغلبية الشعب لينجزها ويلزم بها ويلتزم بها قيادة وشعبا، على ما اوحته لنا وللعالم لسبع سنوات من الصمود والمقاومة. هذه هي سوريا بالذات، إلى جانب العراق واليمن وليبيا وتونس والجزائر… وفنزويلا وكوريا الديمقراطية الشعبية وكل من يواجه الغطرسة الارهابية العالمية بحربها العسكرية والاقتصادية وبحروبها الاستراتيجية.
صلاح الداودي