أضيف بتاريخ: 04 - 08 - 2017
أضيف بتاريخ: 04 - 08 - 2017
يقول كافكا: “إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذن”. مضيفاً “إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا”. فكيف بالكتاب الذي يضرب بعمقه آلاف السنين، متناولاً إحدى أهم المسائل المصيرية من تراث الأمة العربية، وهي مسألة (الخطاب الديني السياسي) مستعرضاً العديد من المفاهيم الحيّة التي لم تزل فاعلة في النفوس والعقول، من خلال نسقٍ من التَّصورات له من الأبعاد والدلالات ما يشهد عليه ماضينا المشؤوم وحاضرنا المقسّم ومستقبلنا مجهول المصير، متجاوزاً العديد من الدراسات التي هيمن عليها حضور “العرض التاريخي” تأليفاً أو ترجمة أو تحقيقاً، على حساب “الموقف المعرفي” الذي نفتقده في نقد الخطاب!.
تسلمت كهدية نسخة من كتاب “نقد الخطاب الديني السياسي” للدكتور خالد العبود في السنة الأولى من الجامعة عام 2013، وهي السنة الثانية من أزمة العدوان على سورية، حيث كانت البلاد تشهد مخاضاً حقيقياً، وذلك على جميع مستويات الخطاب (السياسي والإعلامي والاجتماعي والثقافي والمعرفي)، مع بروز العديد من الأسئلة الكبيرة المتعلّقة بـ”الخطاب الديني” التي لم يكن للمطّلع أن يلقى لها أجوبة واضحة في العديد من المشاريع الفكرية الهامّة بمختلف مشاربها كمثل (الوضعية المنطقية) عند “زكي نجيب محمود” و(الماركسية التقليدية) عند “صادق جلال العظم” و”الطيب تيزيني” و(البنيوية) في تركيب العقل عند “محمد عابد الجابري” أو اللغة كما عند “محمد أركون” و”نصر حامد أبو زيد”، أسئلة رافقها العديد من المعطيات الواقعية، والتي كانت تتعاظم باطراد في توظيف نشاط حركات “الإسلام السياسي” الذي تفرّع عنه العديد من التنظيمات الإرهابية وصولاً إلى “داعش”، فجاء الكتاب متوسِّطاً جميع التقاطعات الفكرية التي حكمت الخطاب العربي الإسلامي من الناحية السياسيّة، مشكلاً بالنسبة إلي صدمة معرفيّة كُبرى أفضت إلى اتّساع مرآة التاريخ في العين الناظرة إلى الواقع!..
يستهّل الباحث القومي العربي الدكتور “خالد العبّود” كتابه في اعتراضه على سؤال فصل علاقة القوميين العرب بالإسلام، ممتطياً صهوة هذا السؤال لاستعراضه أهم المطّبات التي وقع بها القوميون العرب الأوائل وفق توصيفه، والتي نوجزها في ثلاث نقاط وهي: أولاً: حين تركوا، أي “القوميون العرب”، الساحة كاملةً لفعل أصولي إسلامي تقليدي قاد إلى تشكيل “الإسلام السياسي وثانياً: بأن أعطى القوميون المشروعية للإسلاميين في الوجود وهي أهم ورقة كان يطمح لها الإسلاميون، وثالثاً: أن القوميين العرب لم يتعرّضوا لفتح هذا الكم الهائل من المنتوج التراثي التاريخي الإسلامي ولم يتعرّضوا لنقده موضوعياً. ومن ثم ينتقل مباشرةً في فصل تحت عنوان (مدخل لا بدّ منه) يفرد له مساحة هامّة استعراض أزمة “الخطاب الديني” في ظلّ تخلّف أداة المعرفة.
تأتي الأهميّة الكبرى لهذا الكتاب، وذلك بعد استعراضه لأربعة فصول خصّصت لتناول الخطاب في حياة الخلفاء الراشدين الأربع، في تجاوز العديد من الخطوط الحمراء المحظورة في التراث العربي الإسلامي، حيث تبدأ معالجة المفاهيم في سياقاتها التاريخية من حيث كيف تم إحكامها لتشكَّلَ أداةً مهيمنة على الوعي واللاوعي الجمعي، كمثل: مفهوم (الصلاة على النبي)، وما معنى قولِنا (صلّى الله عليه وسلّم)، ومفهوم (العشرة المبشرون في الجنّة) فمن هم وكيف تم اختيارهم ولأجل ماذا!؟ وأيضاً مفهوم (شفاعة الرسول) و(الغيب الذي اطّلع عليه الرسول)، متناولاً الأبعاد السياسية لجميع هذه المفاهيم في قراءةٍ موضوعيَّةٍ هي الأولى من نوعها في هذا الحقل المعرفي السياسي، إضافة الى العديد من المفاهيم الغائمة في الفكر العربي الإسلامي، كمثل جدليّة (الدولة الدينية والدولة القوميّة)، و (الدولة الواحدة والدين الواحد) و (الخطاب السياسي وإشكالية الولاء للخليفة).
لا شكَّ بأنًّ التاريخ لا يمثّل مصدراً للفكرِ بقدرِ ما هو حاملٌ له، ومهما همّ نشاط حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وتعاظمت أدوارها، ستبقى أسيرة للتاريخ أبداً متخّلفة عن ركبه، عالقةً بحداثةٍ غير محقّقة، وما بعد حداثةٍ منمَّقة، ما لم يتم تحطيم الأوثان والأصنام الذهنية لهذه الأمة التابعة، والتي عملت على تخلفنا وجهلنا واستبعادنا واستعبادنا على مدار قرون طويلة، فالتاريخ يشهد على أن البوابة الرئيسية لدخول عصر النهضة هي بوابة (الإصلاح الديني) وتلك هي أوروبا خير شاهدٍ ومثال.
مهند ديب