أضيف بتاريخ: 17 - 07 - 2017
أضيف بتاريخ: 17 - 07 - 2017
الأستاذ حمدي اليوسفي المحامي
هي قراءة في مشروع القانون عدد 25/2015 المتعلق بزجر الإعتداءات على القوات المسلحة هي قراءة في النص و في سياق احياء عرضه على لجنة التشريع العام.
نريد من هذا المنشور تقديم قرائتين أو لنقل قراءة لنص المشروع من زاويتين، أولا من زاوية مضمون النص في بنيته الداخلية و استعراض مضمونه و كذلك من وجهة نظر دستورية حقوقية ثانية من زواية نظر سياقية من جهة السياق الذي عرض فيه خلال يومين و تحديدا يوم الخميس 13/7/2017 على لجنة التشريع العام.
أولا : مشروع القانون عدد 25 من زاوية المضمون و من تحت مجهر حقوق الإنسان و أحكام الدستور :
1- في بنية النص و تبويبه
يشتمل المشروع على 20 فصلا موزعة على خمسة أبواب يشكل الباب الثاني و الثالث و الرابع في الحقيقة عنوانا واحدا و هو الجرائم والعقوبات في حين تضمن الباب الأول ( أحكام عامة) و هي الفصول 1-4 بيان الهدف من سن القانون و كذلك تعريفات لمفهومين هما أسرار الأمن الوطني و أعوان القوات المسلحة و قد جاءت صياغة هذه الأحكام العامة موغلة في العمومية إذ أنها لم تقدم تعريفات دقيقة ووسعت في مجال الحماية بشكل مبالغ فيه كما سيأتي بيانه أما الجرائم فلم تشذ عن القاعدة من جهة التعميم إلى درجة التغتيم فعبارة
” اعتداء” تكررت خمس مرات تقريبا دون بيان لنوع الإعتداء و الإكتفاء فقط بموضوعه أو النتيجة التي قد تحصل عنه! و الأخطر من هذا كله هو عدم تطبيق شروط التخفيف المنصوص عليها بالفصل 53 من المجلة الجزائية. الملاحظ أخيرا و على وجه الخصوص غياب إجراءات خاصة للتتبع تراعى فيها الضمانات الأساسية للمتهم خاصة و أن الشاكي قد يكون من أعوان الضابطة العدلية بالنسبة لسلك أعوان الأمن و هي نقطة فراغ مدوية في هذ المشروع خاصة و أن الفصل 19 من الدستور يلزم الأمن بالحياد التام.
2- مشروع القانون تحت مجهر أحكام الدستور و حقوق الإنسان :
نلاحظ عند عرض مضمون المشروع على أحكام الدستور أنه قد انطوى على 4 خروقات نستعرضها تباعا كما يلي :
* الخرق الأول : نلا حظ من خلال عنوان المشروع أنه يتعلق بقانون عادي على معنى أحكام الفصل 65 من الدستور و الحال أن في هذا المشروع الذي تضمن عقوبات زجرية سجنية و في ذلك مساس واضح بالحريات بما يفرض أن يتخذ القانون شكل القوانين الأساسية على معنى أحكام الفصل 66 من الدستور و هذا خرق دستوري واضح من جهة الشكل الذي يفرض أن يخضع القانون الأساسي إلى إجراءات خاصة تختلف عن القوانين العادية فيما يتعلق بالمصادقة عليه.
* الخرق الثاني : يتمثل في خرق مبدأ المساواة أمام القانون : الفصل 21 من الدستور فهذا المشروع يمنح للقوات المسلحة حماية موسعة مستدامة و مؤبدة على مدار العمر و اليوم و الساعة و هي تشمل العائلة اصولا و فروعا بل و حتى الذين هم في كفالة من ينتسب للقوات المسلحة إستنادا إلى معيار الصفة أساسا و هي أعلى درجات الحصانة التي يمكن أن تمنح لسلطة أو مؤسسة في عصرنا الحديث. إنها ” حصانة ملكية – حصانة خارقة للعادة وفوق المحاسبة و هو ما من شأنه التأثير على التوازن بين السلط بل و بين مؤسسات و أجهزة الدولة!
* الخرق الثالث : و هو يتعلق بخرق حق النفاذ إلى المعلومة الذي أقره الفصل 32 من الدستور و ذلك بالتوسع في مفهوم “الأسرار الأمنية” الفصل 4 من مشروع القانون ، بشكل يحول دون التمكين من حق النفاذ بل وصل الأمر إلى حد تجريمه كما جاء في الفصل 6 من مشروع القانون إذ تصل العقوبة إلى عشر سنوات سجنا و هوما من شأنه أن يجعل من ممارسة حق النفاذ مستحيلا لا على المواطن العادي أو نشطاء المجتمع المدني بل على السلطة القضائية أصلا و تلك الطامة الكبرى فقد يصل الأمر إلى حد التصادم بين مؤسسات الدولة!
الخرق الرابع : و هو خرق الفصل 49 من الدستور و لعله الخرق الأخطر، فهذا الفصل يجيز الحد من الحريات و الحقوق بضوابط من بينها ما يتعلق بمقتضيات الأمن العام و لكنه وضع شرطين أساسيين و هما : عدم النيل من “جوهر” الحقوق و الحريات أي افراغها من محتواها والشرط الثاني التناسب بين الضوابط و المقتضيات و هذان الشرطان لم يقع احترامهما بل و لم ياخذا بعين الإعتبار عند صياغة هذا النص.
الخلاصة في هذا الباب، أن هذا المشروع هو نص زجري عقابي صارم يمنح حصانة مطلقة و استثنائية للقوات المسلحة.
إن إعادة عرض المشروع المودع منذ سنة 2015 بالمجلس في هذه الأيام على لجنة التشريع العام و نفض الغبار عنه ليس صدفة و لا يمكن أن يكون أمرا تلقائيا ، وهنا نقول بوضوح يقيني أن إعادة عرض المشروع تتزامن و تتداخل مع السياق الإنتخابي البلدي فالإستحقاق الإنتخابي على الأبواب و لم تعد تفصلنا عنه سوى 5 أشهر بما أن موعد إجراء الإنتخابية هو 17/12/2017 كما هو مقرر معلوم ، علما أن القانون الأساسي للبلديات لم يقع المصادقة عليه و تلك من غريب المفارقات. و بالتالي فإن العملية الانتخابية تتطلب تأمينا من القوات المسلحة إذا هي معادلة – صفقة : ” التمرير في مقابل التأمين ” تمرير القانون و المصادقة في مقابل التأمين الضامن لفوز من مرر و صادق على هذ المشروع. فالإستحقاق الإنتخابي رهان كبير و استراتيجي لعديد الأحزاب و في مقدمتها حركة النهضة التي تسعى جاهدة لاستكمال مشروع و مسار السيطرة على مفاصل الدولة و لا أفضل من هذه المناسبة الإنتخابية بما أنها تملك قاعدة انتخابية وازنة و متلاحمة في مقابل تشتت بقية الأحزاب الأخرى و غياب أي رؤية سياسية عند أغلبها واولها النداء الذي أضحى خرابا و الثابت أن حركة النهضة و شق حافظ قايد السبسي في النداء بل و حتى كتلة الحرة سيصوتون جميعا على هذا المشروع عند عرضه للمصادقة على الجلسة العامة و يبقى عدم الوضوح و الضبابية سيد الموقف بالنسبة للاحزاب و التكتلات الأخرى و على رأسها الجبهة الشعبية ، ليترك الشعب وحيدا ضحية تقاطع و نشابك المصالح : ترضيات و تسويات : توافقات- تنافقات : سياسة خوذ و هات أما شعار القوات المسلحة في خدمة الشعب فهو يتحول إلى شعار أجوف.
و يبقى السؤال الساذج : من يحمي من؟
هذه القراءة ليست من منطلق ضدية تستهدف المؤسسة الأمنية التي لازلنا نراهان على الشرفاء فيها و في جيشنا الوطني…
لك الله يا تونس.