“إسرائيل” والدول العربية والتطبيع

أضيف بتاريخ: 08 - 07 - 2017

مركز دراسات الأمن القومي
بقلم: فيليب غوردون

في غياب التقدم أو الفرصة الحقيقية بالتقدم في المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، يبدي الكثيرون في إسرائيل مخاوفهم المتزايدة من العلاقات الناشئة في عموم العالم العربي، بدءًا برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووصولًا إلى رئيس المعارضة يائير لبيد ويتسحاق هرتسوغ، الكثيرون من القادة السياسيين الرواد يعتقدون بأن توحد المصالح المتزايد بين إسرائيل والدول العربية السنية – وسيما حول أهداف مثل كبح إيران ومحاربة التطرف الإسلامي – يمكن ان يستخدم كقاعدة للتطبيع العربي الإسرائيلي والإسهام في إحراز تقدم في القضية الفلسطينية التي طال أمدها.

نتنياهو يتحجج بكل وضوح انه وبعد سنوات من الأمل في إحداث اختراق مع الفلسطينيين يقود إلى علاقات أفضل مع الدول العربية، يتوقع الآن ان “هذه العملية يمكن أيضًا ان تعمل في الاتجاه المعاكس: تطبيع العلاقات أولًا مع العالم العربي يمكن ان يساعد في دفع عملية السلام بيننا وبين الفلسطينيين، سلام يكون مراقبًا ومستقرًا وأكثر تأييدًا”.

يبدو أيضًا ان نظام ترامب يعلق آماله على فكرة “من الخارج الى الداخل”، أي إدارة مفاوضات مباشرة مع الدول العربية على أمل ان تستخدم نفوذها لدى الفلسطينيين لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط. بعد ان التقى في قمة الرياض (مايو 2017) مع أكثر من 50 من قادة العالم الإسلامي، قال ترامب عند وصوله إلى إسرائيل انه “متحمس للغاية” نتيجة لقاءاته، وأكد على ان الملك سلمان “سيسعد برؤية السلام يتحقق بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، ترامب قال للإسرائيليين ان “هناك تفهم متزايد في أوساط جيرانكم العرب بأن لديهم هدف مشترك معكم لقاء التهديد الذي تشكله إيران”، وحسب أقوال الوسيط الخبير المخضرم في شؤون الشرق الأوسط دينيس روس فإن المنطق في فكرة “من الخارج الى داخل” هو انه “وبسبب كون الفلسطينيين ضعفاء ومنقسمين كثيرًا، ولأن هناك بين علاقة خفية بين العرب السنة وإسرائيل؛ هناك أمل بأن يكون العرب مستعدين لفعل المزيد”.

التقارب الاستراتيجي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية غير قابل للشك، والتعاون من وراء الكواليس بينهم مثمر أكثر من ذي قبل. مع ذلك، وبعد ان أمضيتُ قسمًا كبيرًا من الأشهر الأخيرة في عواصم البلدان العربية وإسرائيل على حد سواء، وناقشتُ هذه القضية مع زعماء سياسيين وقادة دبلوماسيين ورجال أعمال وغيرهم؛ أعتقد بأن الآمال العريضة التي علقت على تحقيق التطبيع قبل الاتفاق مع الفلسطينيين تقوم على أساس تقدير خاطئ.

خطوات التطبيع المعتدلة مع دول بعينها إذًا من شأنها ان تكون ممكنة إلى حد ما، وإسرائيل ستتخذ هي الأخرى خطوات مقابلة، لكن التطبيع الحقيقي بين الدول العربية وإسرائيل سيحدث فقط في إطار سلام شامل يؤيده الفلسطينيون. حتى الخطوات المعتدلة المذكورة تتطلب من الجانب الإسرائيلي لفتات مهمة أكثر بكثير مما يميل الإسرائيليون إلى التفكير فيه، لا خلاف ان على الإسرائيليين الاستمرار بالسعي نحو العلاقات الافضل مع الدول العربية لأسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية، ولكن من يتوجه إلى الدول العربية ظنًا منه ان المقصود اختصار الطريق نحو القضية الفلسطينية أو يتوقع انه يستطيع ان يقيم علاقات تقارب أفضل مع العرب دون التطرق إلى القضية الفلسطينية؛ نتوقع ان مصيره خيبة الأمل.

لماذا تعتبر فرص التطبيع ضعيفة؟

التقاء المصالح المتزايد والتقارب الاستراتيجي والتعاون السري بين إسرائيل وبين الكثير من الدول العربية يعتبر واقعًا، إسرائيل أصبحت بعيدة عن رأس سلم الأولويات الأمني كعدو بالنسبة للقادة العرب الذين يتقاسمون معها المخاوف العميقة فيما يخص إيران والإسلام المتطرف وعدم الاستقرار الإقليمي. من وراء الأبواب المغلقة يعترف هؤلاء الزعماء بأن إسرائيل لا تهددهم، وأن هناك مزايا استراتيجية واقتصادية تكمن في التعاون الخفي معها. وحسب ما قاله لي مسؤول رسمي كبير في الخليج “نحن وإسرائيل ننظر إلى المنطقة من منظور متشابهٍ للغاية، الإسرائيليون لا يقتلون شعبنا، إيران والدولة الاسلامية يقومان بذلك”، وحتى الملك السعودي سلمان – الذي لا يعترف بوجود إسرائيل بشكل رسمي – يعترف بأن إسرائيل هي “حقيقة قائمة”.

وإلى ذلك، ما تزال هناك عقبات سياسية كبرى أمام التقارب العلني بين الدول العربية وإسرائيل، فالحكومات العربية في الدول الرائدة – وسيما في الرياض – تواجه مجموعة كبيرة من التهديدات التي تهدد أمنها، بل وحتى جوهر وجودها، وهي تشهد تهديدات أمنية من جانب إيران واليمن وسوريا والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، بمن فيهم الاخوان المسلمين والقاعدة و”الدولة الإسلامية”، وتواجه تهديدات على استقرارها السياسي من جانب تجمعات سكانية فائرة وكبيرة، وتضطر إلى مواجهة التغيرات الاجتماعية والتقنية المتسارعة والتراجع الاقتصادي الذي مصدره أسعار النفط المتدنية.

في ظل هذه الظروف لا يستطيع زعماء المنطقة أن يسمحوا لأنفسهم بإنفاق رأس مال سياسي نفيس في الدفاع عن التقارب العلني مع إسرائيل، الخطوة التي سيعتبرها معظم مواطنيهم خيانة للكفاح الفلسطيني الذي ما يزال يحظى بدعم الشعب. زعماء عرب سابقون ممّن وافقوا على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل (أنور السادات في مصر وحسين ملك الأردن) كانوا زعماء أقوياء ومستبدين، شعروا بأنهم قادرون (بالخطأ في حالة السادات) على القيام بالمخاطرة السياسية في التطبيع مع إسرائيل دون تعرض حكمهم للخطر. غالبية الزعماء العرب الحاليين لا يريدون ان يروا أنفسهم ذوي قدرة على مثل هذه المخاطرة السياسية دون مقابل معقول وأكيد.

كما ان هناك معيار إقليمي مهم آخر: في حقبة التنافس السياسي المر مع إيران، العربية السعودية على وجه الخصوص لن ترغب بالتنازل عن القضية الفلسطينية لصالح خصومها في طهران، والذين من المؤكد أنهم سيشجبون الرياض في أي تقارب علني مع إسرائيل. الإيرانيون في هذه الحالة سيزعمون بأنهم هم المدافعين الحقيقيين عن الحقوق الإسلامية في القدس، وسيسعون إلى تقديم العربية السعودية – حتى في عيون مواطنيها – على انها “دمية” في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، إنها مخاطرة لا يستطيع القادة السعوديون القيام بها.

واضحٌ ان السؤال “ما هو الممكن وغير الممكن؟” مختلف إلى حد كبير بين مختلف الدول العربية، فمصر والأردن لهما الآن علاقات دبلوماسية وأمنية مع إسرائيل، تُعتبر أقرب من أي وقت مضى من عدة نواحٍ (وإن لم تحظَ بالعلانية بعد)، موريتانيا اعترفت بإسرائيل في 1999، وإن كانت قد جمّدت هذه العلاقات فيما بعد، في الماضي قام مسؤولون كبار من قطر وعُمان والمغرب بزيارة نظرائهم الإسرائيليين، وسمحوا لإسرائيل بفتح ممثليات تجارية في بلدانهم، غير ان هذه المكاتب اضطرت إلى إغلاق أبوابها مع اندلاع جولات الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين (عمان أغلقت الممثلية عام 2000 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وقطر فعلت ذلك بعد عملية “الرصاص المصبوب” في غزة عام 2009)، الامارات المتحدة تستضيف وفدًا إسرائيليًا تابعًا للوكالة الدولية للطاقة المقيمة في أبو ظبي، يمكنها على ما يبدو ان توسع بأناة علاقاتها مع إسرائيل، لكنها لن ترغب بالمخاطرة والتعرض للانتقاد من قبل أعدائها في حماس والاخوان المسلمين، العربية السعودية لديها مساحة مناورة أقل بسبب مكانتها الخاصة في العالم الإسلامي، الهشاشة النسبية في نظامها السياسي وشدة منافستها الإقليمية مع إيران وحكومات كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن متأثرة للغاية بإيران، بحيث ان أي تقارب مع إسرائيل لن يكون واردًا بالحسبان؛ الأمر الذي يوحد جميع الدول العربية المختلفة هذه هو عدم الرغبة في دفع الثمن السياسي للتقارب العلني مع إسرائيل في ظل غياب أمر حقيقي ما يبدو انه مقابل.

حتى الخطوات الجزئية نحو التطبيع، والتي كثيرًا ما نوقشت (مثل: العلاقات في الاتصالات السلكية واللاسلكية بين الدول العربية وإسرائيل، وإعطاء حق المرور للطائرات الإسرائيلية، واستصدار تصاريح لرجال الأعمال الإسرائيليين للعمل في الخليج، وتبادل البعثات الرياضية أو الثقافية أو اقامة اتصال مع دبلوماسيين إسرائيليين خلال اللقاءات الدولية) ستحتاج على ما يبدو إلى خطوات كبيرة من جانب إسرائيل، أكثر مما يعتقده الكثيرون من الإسرائيليين.

وكذلك مثل هذه الخطوات المعتدلة ستكلف الزعماء العرب ثمنًا باهظًا في حال ضبطوا يقومون بها على خلاف رغبة الفلسطينيين، الذين يتمسكون بالخوف من ان التطبيع الاقتصادي والدبلوماسي سيكون على حساب تطلعاتهم السياسية، ويظنون ان الوقت يعمل لصالحهم. على سيل المثال: اللفتات الاقتصادية التي أعلنت عنها إسرائيل خلال زيارة الرئيس ترامب في مايو 2017 – بما في ذلك تسهيل دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل، وزيادة ساعات فتح معبر اللنبي إلى الأردن، والسماح بتوسيع المنطقة الصناعية في ترقوميا إلى داخل المنطقة (ج)، وإعطاء التراخيص لألاف البيوت الفلسطينية في أجزاء المنطقة (ج) – لم يكن لها سوى القليل من التأثير. رغم الخلاف الكبير الذي أثارته هذه الخطوات في الكابينت الإسرائيلي؛ إلا انها بدت في نظر العرب أشكالًا مكررة لما كان قد وُعد به الكثير من المرات في الماضي. وبشكل غير مفاجئ، التقارير الواردة في الصحف التي أكدت ان دول الخليج العربية بلورت مقترحًا، وكانت على قريبة من صفقة تطبيع مع إسرائيل عشية رحلة ترامب في المنطقة؛ اتضح أنها كانت مبكرة للغاية.

الدول العربية، وبتحذير من الفلسطينيين، كانت حذرة أيضًا من القيام بخطوات ستفسر على أنها “دائمة” أو “شرعية” تجاه إسرائيل مقابل خطوت إسرائيلية “شرعية” بأنها ستكون عكسية. على سبيل المثال: الاعتراف الرسمي بإسرائيل على أنها دولة يهودية أو الموافقة على إبقاء التواجد الإسرائيلي في التجمعات الاستيطانية الكبرى مقابل توسيع حرية حركة الفلسطينيين أو الحكم الذاتي، والذي يمكن إلغائها في المستقبل بكل سهولة. بهذا الخصوص تجدر الإشارة إلى ان الجامعة العربية في بيانها الأخير، والذي صادقت فيه على التزامها بالمبادرة العربية للسلام، والتي تقترح الاعتراف بإسرائيل مقابل السلام الشامل مع الفلسطينيين وتعهد الزعماء العرب بالتطبيع فقط بعد إتمام سحب القوات الإسرائيلية بالكامل من المناطق الفلسطينية، فهم يخشون من ان أي ترتيب آخر من شأنه ان يقود إلى الاعتراف بإسرائيل مقابل انسحاب لا يتم في وقته المحدد.

وخلاصة القول: ان هناك فرق بنيوي كبير في الطريقة التي تنظر فيها كل إسرائيل والعرب إلى الخطوات باتجاه التطبيع؛ إسرائيل ترى فوائد عظيمة في تسليط الضوء على التعاون الاستخباري والعسكري والاقتصادي الذي سيدفع بالفعل باتجاه قبولها في المنطقة ويقلل الجهود الدولية المبذولة في عزلها ويحرر جزءًا من الضغوطات الممارسة عليها من أجل القيام بتنازلات أخرى لصالح الفلسطينيين، إسرائيل ستوسع شرعيتها الدولية من خلال إقامة علاقات رسمية مع الدول العربية الكبرى، وستجد الأعمال الإسرائيلية فرصًا جديدة في الأسواق العربية إذا أمكنها العمل هناك علانية. لدى العرب في المقابل الديناميكا معكوسة، فتحويل التعاون من السرية إلى العلن سيجبي منهم ثمنًا باهظًا، ولأن الدول العربية تحصل من إسرائيل على أغلب ما تريده بطريقة سرية فليس لديها دافع كبير لتوسيع العلاقات العلنية معها دون ان يكون لذلك سبب مهم. حتى مصر والأردن – واللتان لهما علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتعاون أمني واستخباري موسع معها – من وراء الكواليس ترفض ان تبدو متصالحة جدًا على الملأ طالما ان مواطنيها تعتبر تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين بكل هذه السلبية.

ديناميكيات جديدة وأوراق غير متوقعة

محاولات إقحام المنطقة العربية في محاولات دفع السلام الإسرائيلي – الفلسطيني ليست جديدة، فقد نجحت الولايات المتحدة في إحضار غالبية الدول العربية إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات في مؤتمر السلام في مدريد عام 1991، وفي قمة أنابوليس عام 2001؛ لكن في كلا الواقعتين لم يكن ذلك كافيًا لجسر الفجوات بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو لجعل الدول العربية في حالة اتصال مع إسرائيل بعد اللقاءات.

في الـ 2009، المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل سعى لتحقيق الكثير من خطوات التطبيع المطروحة اليوم على الطاولة بين إسرائيل والعرب، والرئيس أوباما درس التدخل السعودي على أساس تجميد الاستيطان الإسرائيلي، لكن ومرة أخرى ثمن تدخلهم كان أعلى ممّا كانت إسرائيل مستعدة لتدفعه. مجهود آخر وهو الأكثر واقعية للوقت الحالي كان في الـ 2016 عندما أجبر وزير الخارجية جون كيري الأنظمة العربية على إجراء مفاوضات مع إسرائيل على أساس المبادئ التي استحدثها في سنوات مفاوضاته مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وحينها أيضًا كانت الفجوات بين الطرفين أوسع من أن يتغلب عليها والدول العربية لم تكن مستعدة للانسحاب أو الضغط على الفلسطينيين، وعندما توقع كيري أنه نجح في إقناع الدول العربية بقبول مبادئ معينة مثل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، لم تكن مستعدة على الإطلاق للقيام بذلك علانية دون موافقة الفلسطينيين، السعوديون ولاعبون مركزيون آخرون لم يكونوا مستعدين ولو للظهور في مؤتمر دولي – ناهيك عن الحديث عن خطوات أخرى باتجاه التطبيع مع إسرائيل – دون ان تلتزم إسرائيل على الأقل في إطار المفاوضات ان تكون موافق عليها فلسطينيًا (الشرط الذي لم يناسب إسرائيل).

لا شك بأن الوضع الإقليمي تغير في الفترة الأخيرة إلى حد كبير، بل وتغير كثيرًا في العام الأخير، وإن هناك متغيرات جديدة في اللعبة، بما في ذلك بعض الأوراق المفاجئة التي يمكن ان تؤدي إلى تغير حقيقي على مفاهيم الماضي، إحدى الأوراق المهمة من بينها هي ورقة الرئيس دونالد ترامب الذي وضع الموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني على رأس سلم أولويات سياسته الخارجية، والذي يبدو مصرًا على إدارة مفاوضات حول “الصفقة التاريخية” ومعروف انه غير متوقع للغاية.

وكونه يقوم بعقد الصفقات بطبعه، وكونه محبطًا من غياب التقدم في قضايا أخرى وضعها على جدول أعماله؛ فقد يحاول ترامب ان يزيد من دعمه القوي لدول الخليج العربية ليحظى هناك بلفتات يمكنها ان تدفع باتجاه التطبيع مع إسرائيل والسلام في الشرق الأوسط. قادة عرب رواد في المنطقة يميلون إلى مساعدة ترامب الذي اعتمد جدول أعمالهم فيما يخص إيران وقطر واليمن، وهو جاهز لعقد صفقات – بل وتنفيذ صفقات اقتصادية – من دون مقابل معلن عنه.

وعلى خلاف سلفه لن يضغط عليهم في قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان، لهذا السبب يمكن لترامب ان يكون في موقف ونقطة انطلاق أفضل ليحصل من الدول العربية على ما لم يحصل عليه كيري واوباما، لكن رافعات ترامب ما تزال مقيدة من قبل الجهات السياسية الداخلية في الدول العربية المذكورة أعلاه، ومن قبل حقيقة كون ترامب لن يربط دعمه للدول الخليجية بشرط التطبيع. في الواقع انه سبق وقدّم الدعم من دون شروط لقاء الاستقبال الدافئ في الرياض والإعلان عن صفقات بيع السلاح والاستثمارات الكبرى؛ خطوات أرقى على سلم أولوياته وأسهل تحققًا من التطبيع العربي مع إسرائيل.

ورقة مفاجئة أخرى هي ورقة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو القوة الدافعة من وراء السياسة الخارجية السعودية، فبينما الميل السعودي العام (بما في ذلك الملك سلمان) في الموضوع الإسرائيلي تتسم بالحذر المتطرف؛ فقد أثبت الأمير محمد انه مستعد لاتخاذ خطوات جريئة ومخاطرات في قضايا جوهرية لمستقبل العربية السعودية، إنه يهز المنظومة الاقتصادية السعودية بتنويعها خارج إطار النفط، ويقلص الدعم طويل المدى ويرفع الضرائب ويخطط لتخصيص جزء من أرامكو، كما انه يهز المجتمع السعودي من خلال ضم المزيد من النساء في التعليم والقوى العاملة وتقليص قوة الشرطة الدينية وتخفيف قواعد وصاية الذكور ومحاولات تعزيز السياحة والترفيه في المملكة، دفع باتجاه الحرب على اليمن والهجوم السياسي على قطر بطريقة تشهد على ميله الشديد للقيام بمخاطرات كبرى. وأخيرًا، ولي العهد ذو الـ 31 عامًا خبر بصفة شخصية التراجيديا الفلسطينية والحروب الكثيرة بين إسرائيل الدول العربية مثل جيل أبيه، وتميزت سنواته التكوينية بشهوده الخصومة بين العربية السعودية وإيران، والربيع العربي والحروب في سوريا واليمن ووضع علاقات السلام العربي الإسرائيلي، وبالنظر إلى الواقع الجديد في التسلسل الهرمي السعودي فستفتح آفاق جديدة مع العربية السعودية.

متغير مهم ثالث يتعلق بالقيادة الفلسطينية المستقبلية وتبدل الحكم المتوقع، رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن ذو الـ 82 عامًا ليس له شعبية بشكل واضح في أوساط الزعماء العرب، والذين بعضهم (مثل الامارات العربية المتحدة) يدعمون خصومه علانية وبطريقة فاعلة؛ ففي الوقت الذي يتنافس خصوم فلسطينيون آخرون على تورثه، يُتوقع بأن دولًا عربية ستدرس أي خطوة قبيل التطبيع مع إسرائيل بخصوص كيفية مساعدة التطبيع أو إضراره بالمرشحين المفضلين لديهم.

على سبيل المثال: إذا ما سيطرت حماس على الضفة الغربية، يُحتمل ان العربية السعودية ومصر والامارات المتحدة ستكون مستعدة للعمل بطريقة أكثر استعجالًا، وربما علنية، مع إسرائيل في مجهود كبح ومعاقبة حماس، وسيما إذا انضم التنظيم إلى قطر وإيران. في المقابل إذا ما ظهر زعيم فلسطيني جديد ومفضل لدى دول الخليج، حينها فإن استعدادهم للعمل علانية مع إسرائيل من دون “مباركة” الفلسطينيين قد تتقلص أيضًا خشية ان يقلقل تعاون مثل هذا شرعية الزعيم الجديد. إذا ما ظهر زعيم فلسطيني جديد يدعمه الزعماء العرب حق الدعم فقد يكونوا مستعدين للتعاون مع إسرائيل في خطوات تحسن حياة الفلسطينيين اليومية، لكن مرة أخرى إذا رغب الفلسطينيون بمثل هذا التعاون.

رغم كل ما قلنا يحتمل ان يكون العامل الأهم من كل ما سبق هو ما يجري في إسرائيل، حكومة نتنياهو الحالية – والتي يفضل فيها معظم وزراء الكابينت توسيع الاستيطان، ويعارضون حل الدولتين – لا تبدو كمن يتخذ الخطوات المطلوبة للدفع باتجاه الاتفاق مع الفلسطينيين أو التطبيع مع الدول العربية. وزير الأمن أفيغدور ليبرمان يتحدث باسم الكثيرين في الحكومة عندما يصر على ان إسرائيل “ليست بحاجة للقبول بوضع يكون فيه التطبيع مع الدول العربية رهينة للموضوع الفلسطيني”، هكذا ومن دون تغيير سياسي في إسرائيل يصعب للغاية ان تصدق ان تتخذ حتى الخطوات الأكثر اعتدالًا باتجاه التطبيع، لكن الحكومة الحالية لن تحكم للأبد، ورئيس حكومة آخر أو ائتلاف آخر يمكنهم في الوقت المناسب ان يتخذوا خطوات تؤثر على اعتبارات الفلسطينيين والدول العربية.

اقتراح إسرائيلي يقدم أكثر ممّا تم تقديمه في مفاوضات السلام السابقة (مثل تلك التي تتمسك بمبادئ وزير الخارجية كيري، والتي أدلى بها في ديسمبر 2016) سيسهل على العرب البراغماتيين إقامة علاقة مع إسرائيل. اذًا فرغم ان مبادئ كيري تضمنت عددًا من العناصر محل الخلاف، مثل الاعتراف العربي بإسرائيل كـ ” دولة يهودية”، إلا أن الخطاب استقبل بشكل إيجابي في أنحاء العالم العربي، بما في ذلك مصر والأردن والامارات المتحدة وقطر والبحرين، وحتى العربية السعودية. عندما تطرح مثل هذه المبادئ على الطاولة بالفعل سيكون لدى العرب دعم سياسي أكبر لإقامة علاقة مع إسرائيل، بل وربما تشارك العربية السعودية في مفاوضات دولية على أساس كهذا، لكن في سيناريو مثل هذا أيضًا فالقيام بالتعاون الأمني الرسمي أو علاقات سياسية واقتصادية مفتوحة مع إسرائيل، يُتوقع ان تكون مشروطة بالتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، وليس بمجرد عرض مقترح لحل الصراع، لأنهم شهدوا الكثير الكثير من جولات المحادثات الفاشلة في الماضي، لا يتوقع ان الدول العربية ستدفع ثمن الخطوات السياسية الباهظ أمام إسرائيل فقط على أساس الاتفاق على إطار للتفاوض.

بغض النظر عن سخاء المقترحات الإسرائيلية أو إلى أي مدىً يكون الاتهام بالمسؤولية عن غياب التقدم ملقى على الفلسطينيين؛ فأيّ توقع بأن يتهم العرب الفلسطينيين وأن يتولوا إسرائيل هو توقع خاطئ.

في غياب مفاوضات وثيقة وشاملة للسلام، فإن المقترحات الإسرائيلية بالخطوات الجزئية أحادية الجانب أو المؤقتة ستحظى باهتمام الدول العربية، مثلًا خطوة أحادية الجانب تقوم بها حكومة إسرائيلية جديدة لقصر البناء في المستوطنات على التجمعات الكبرى، ووضع حد لـ “إباحة” البؤر وتحويل مناطق كبيرة لسيطرة الفلسطينيين وتسهيل حقيقي لحرية الحركة؛ هذا كله سيحسن إلى حد كبير الأجواء، وسيزيد فرض إجراء مفاوضات حقيقية مع الفلسطينيين والتعاون مع الدول العربية. لكن في هذه الظروف أيضًا سيتردد العرب في مباركة الخطوات الإسرائيلية بشكل مكشوف أو ان يقدموا أيّ “مستحقات” للتطبيع ما لم يكن لذلك دعم فلسطيني.

الإسرائيليون قد يشعرون وبحق ان خطوات مثل هذه هي خطوات غير مسبوقة ويصعب تنفيذها سياسيا، ولكن في المنظور العربي فإنها ما تزال تبقي القضايا الأكثر خلافًا (اللاجئين واحتلال القدس) من دون استجابة، وسيزعم الفلسطينيون انه وبمكافئة إسرائيل على الخطوات الجزئية فإن العرب يخففون الضغط المطلوب لمعالجة القضايا الجوهرية. هدف أكثر واقعية للمبادرة أحادية الجانب أو المبادرة المؤقتة التي تقوم بها إسرائيل قد يكون دعم اقتصادي ومالي عربي صامت يسمح للمبادرة بالنجاح، هدف قابل للتحقيق مثل هذا سيساعد على الأقل في تحسين الأجواء قبيل المفاوضات، بالإضافة إلى تحسين حياة الفلسطينيين ومواقف العرب تجاه إسرائيل، ويمكن ان يخلق الظروف المناسبة لتقدم كبير على الطريق.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنه وطالما ان القادة العرب يؤكدون مدى صعوبة اتخاذ خطوات نحو التطبيع مع إسرائيل في غياب تقدم مع الفلسطينيين، فإنهم أيضًا يصرون على التزامهم بمبادرة السلام العربية من الـ 2002، ويؤكدون انهم قاموا بـ “خيار استراتيجي” للسلام مع إسرائيل، إلى جانب التمسك بموقفهم ان الشروط غير قابلة للتفاوض، ويؤكدون ان مبادرة السلام كتبت بطريقة تسمح بالكثير من المرونة، وأنهم لم يتراجعوا فيها عن التصريحات السابقة، والتي بمقتضاها يمكنهم ان يقبلوا بتعديلات على حدود الـ 67 كأساس جغرافي للسلام.

الزعماء العرب، بمن فيهم القابعون في الرياض، قالوا لي انهم يقفون وراء إعلان العام 2013، والذي أدلى به من كان حينها رئيسًا لحكومة قطر حمد بن جاسم آل ثاني باسم لجنة متابعة مبادرة السلام خاصة الجامعة العربية، والذي يقول “تبادل القليل من الأراضي ذات القيمة الذي يتم بطريقة متوافق عليها بين الطرفين” بين إسرائيل وفلسطين؛ سينظر إليها كخطوة تتماشى مع دعوة المبادرة العربية للعودة إلى حدود 1967، ليس بمقدورهم التراجع عن موقف المبادرة العربية الرسمية التي بمقتضاها يجب إعادة هضبة الجولان إلى سوريا، لكنهم يفهمون انه ليست خيارًا في الوقت الحالي، ومن المفترض بأنهم لن يسمحوا لموضوع إعادة مناطق إلى نظام الأسد – المدعوم من قبل إيران – للوقف في طريق اتفاق سلام مع إسرائيل. كذلك في موضوع اللاجئين، فهم يصرون على مطلب مبادرة السلام لحل “عادل لمشكلة اللاجئين”، والذي يتفق عليه بما يتوافق والقرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة، لكنهم يفهمون – كما يدل استخدام كلمة “يتوافق عليه” – ان إسرائيل لن تقبل على الإطلاق بالحل الذي يسمح لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين بالعودة.

يشكو العرب من ان إسرائيل لم تتخذ المزيد من الخطوات غير المسبوقة في عرض أفكار محددة يمكن الرد عليها، على سبيل المثال: على مدار تحركات كيري لم يكن الإسرائيليون مستعدين على الإطلاق حتى للنظر إلى الخرائط. حجة أخرى وهي ان الولايات المتحدة لم تشركهم بالقدر الكافي في جهودها للتفاوض مع الإسرائيليين والفلسطينيين، إسرائيل – التي ستكون مستعدة حقًا وحقيقة لإجراء مفاوضات على أساس مبادرة السلام العربية – ستجد شركاء عرب ومستعدين للاستجابة.

استنتاجات

فرصة إسرائيل في تطبيع العلاقات مع الدول العربية هي فرصة مغرية، وكل من هو معني من إسرائيل أو من المنطقة يريد ان يراها متبلورة. المصالح العربية الاستراتيجية تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، تعاطي البعض من زعماء العالم العربي مع إسرائيل يشهد تغيرًا، والرغبة العربية في شهود صفقة إسرائيلية فلسطينية بقيت على حالها؛ مع ذلك القادة العرب لديهم الكثير من القضايا المستعجلة الأخرى على جدول أعمالهم، ولم يضطروا ليقرروا كيف يجتازون حقًا خطوطهم الحمراء في كل ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، وعلى الارجح فإنهم لن يفعلوا ذلك أيضًا إلا إذا طرحت أمامهم أفكار محددة، بحيث تكون جديرة بأن تدرس في ظلها الخطوط الحمراء.

ورغم هذا كله، فرؤية إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع الدول العربية دون اتفاق مع الفلسطينيين هي رؤية خيالية، وحتى الخطوات المعتدلة للتطبيع تتطلب منها القيام بأكثر بكثير ممّا يظنه الكثيرون في إسرائيل. في نهاية المطاف، الطريق إلى التطبيع مع الدول العربية ما يزال يمر عبر القضية الفلسطينية، وليس العكس.

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها.