القدس عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية

أضيف بتاريخ: 12 - 06 - 2017

مركز دراسات الأمن القومي
تسيفي إسرائيلي

يوم القدس 2017 تميز برمز “يوبيل توحيد القدس”، وخلال الأحداث صرّح الكثير من القادة والمتحدثين الرسميين الإسرائيليين بأن القدس هي “عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة”.

في الخطاب الإسرائيلي حول القدس، تقرر على مر السنين الشعارات “القدس الموحدة” و”القدس كاملة” و”القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي” و”السلام مع القدس” وغيرها من الشعارات التي تحاول بطبيعتها إيصال رسائل بسيطة ومقتضبة بهدف تركيز اهتمام الجمهور. الشعارات بشأن القدس لها مكانة مهمة خاصة، في النهاية، ورغم ان القدس كانت على الدوام في قلب الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، لكنها تقريبًا لم تتصدر جدول أعمال الشعب الإسرائيلي. قضية القدس أيضًا لم تعتبر من وجهة نظر الشعب جزءًا من ساحات المواجهة أو مصدرًا للتهديد الأمني الخطير؛ وإنما في سياق الهجمات الإرهابية، كذلك ورد ذكر القدس خلال الحملات الدعائية قبيل انتخابات الكنيست على لسان أغلبية الأحزاب المتنافسة التي أرادت اقناع جمهور الناخبين بأنهم لا ينوون تقسيم المدينة (في انتخابات 2015 لم تكد هذه القضية تذكر) أو قبيل “يوم القدس” وسيما مقترحات التنزه فيها.

على ضوء ما سبق، من المفترض ان الشعب الإسرائيلي – الذي لم تعتد أغلبيته العظمى زيارة الأحياء العربية في القدس الشرقية – ليس على دراية بالقضايا الجوهرية والمعضلات المتعلقة بالقدس، وشعار “القدس الموحدة” تحدّد على مدار السنين في الخطاب الإسرائيلي دون فهم معمق للقضية، وتعقيدها وانعكاساتها السياسية.

كثرة الأحداث العنيفة في “موجة الإرهاب” التي وقعت خلال العامين 2015 – 2016 في القدس تسببت بتحولات في تعاطي الشعب مع قضية القدس، تميزت هذه الفترة بسيل مقترحات الخطط السياسية الجديدة لحل قضية القدس، والتي لها قاسم مشترك واحد، وهو فكرة الانفصال عن جزء من الأحياء والقرى في شرقي المدينة، ومن بينها خطة رئيس بلدية القدس لإخراج الأحياء الواقعة خارج الجدار الأمني خارج المنطقة البلدية في القدس، وخطة “حركة إنقاذ القدس اليهودية”، وخطة يتسحاق هرتسوغ السياسية، وهو رئيس “المعسكر الصهيوني”.

تجدر دراسة الرأي العام بشأن هذه الخطط وغيرها، والتي تبلورت على خلفية الأحداث العنيفة التي وقعت في المدينة، من المنظور الزمني على مدار سنوات طويلة نظرت غالبية الشعب إلى القدس الموحدة كقطعة واحدة وعارضت تقسيمها. في السنوات 1994 – 1998 حوالي 80% ممّن استطلعت آراؤهم ضمن استطلاع “معيار السلام” قالوا ان القدس يجب ان تكون موحدة وعارضوا أي تقسيم، بما في ذلك في أي اتفاق شامل بين إسرائيل والفلسطينيين، هذه النسبة من المعارضة للتقسيم ظلت عالية حتى عندما عرضت قضية التقسيم على النحو التالي: الرأي العام (حوالي 65 – 70% بحيث يكون الاتفاق مرتبط بها فقط)، وفي السنوات 1999 – 2000 طرأ تحول بسيط على الرأي العام (حوالي 65 – 70% من المستطلعة آراؤهم في استطلاعات “معيار السلام” واستطلاعات مركز دراسات الأمن القومي أبدوا معارضتهم لتقسيم المدينة، حتى في فترة الانتفاضة الثانية، عندما سئل الشعب عن خيارات الانفصال أحادي الجانب، ورغم انه اُشير في السؤال بوضوح إلى ان الهدف هو “تقسيم القدس لخفض نسبة الإرهاب” 70% من الجمهور كانوا ما يزالون يعارضون فكرة الفصل).

في السنوات 2004 – 2014 حوفظ على الاستقرار في الرأي العام، من ناحية حوالي 60 – 65% من الشعب عارضوا إعادة الأحياء العربية للفلسطينيين، ومن ناحية أخرى نسبة تأييد تقسيم القدس ارتفعت، وعندما عرضت القضية على أنها شرط للاتفاق في إطار رزمة شاملة في صيف العام 2014 طرأ تدهور على الوضع الأمني في القدس (وقعت حادثة قتل الصبي أبو خضير على أيدي نشطاء يمينيين إسرائيليين متطرفين، وفي نفس الوقت كثرت حالات الهجوم التي نفذها الفلسطينيون وإلقاء الزجاجات الحارقة ورمي الحجارة صوب القطار السريع وأحداث الدهس، وكذلك عملية اطلاق النار في الكنيس في “هار نوف”).

في هذه الفترة، الكفاح الفلسطيني في القدس رافقه شعار “الحرب على القدس”، لكن في هذه الفترة أيضًا فإن قسمًا كبيرًا من الجمهور عارض نقل الأحياء العربية في القدس الشرقية للفلسطينيين، بما في ذلك في إطار عقد سلام نهائي معهم (حوالي 60%). تغيير حقيقي تبدى في “موجة الإرهاب” التي وقعت في العامين 2015 – 2016، فمن الاستطلاع الذي أجري خصيصًا فور اندلاع موجة التصعيد اتضح ان 69% من الشعب كانوا معنيين بالانفصال عن الأحياء العربية في القدس الشرقية.

“معيار الأمن القومي” واستطلاع الرأي العام الذي نفذه مركز دراسات الأمن القومي، سواء خلال “موجة الإرهاب” 2015 – 2016، وسواء في العام الذي تلاه في الفترة الاعتيادية، أظهر صورة أكثر عمقًا. في إطار الاستطلاع سُئل السؤال التالي ” حسب رأيك، ما هو الحل الامثل في الوضع الحالي لمسألة القدس؟”، وأظهرت نتائج الاستطلاع ان 22% فقط من الشعب أيدوا الإبقاء على الوضع القائم في القدس، بينما فضلت البقية تغييرًا ما في القدس، والذي يشمل تنازلًا أو حلًا جديدًا، وحوالي 29% أيدوا الإبقاء على الوضع القائم مع زيادة الفصل الجسدي في القدس الشرقية، وحوالي 26% كانوا مع نقل الأحياء العربية لسيطرة السلطة الفلسطينية، وحوالي 23% أيدوا إقامة سلطة محلية مستقلة للأحياء العربية في القدس في إطار السيادة الإسرائيلية، وبخصوص إقامة سلطة محلية مستقلة للأحياء العربية المقصود فكرة جديدة لذلك، فحقيقة ان الاستطلاعين منفصلان بالنسبة للرأي العام بخصوص هذه الفكرة لها أهمية خاصة، وأظهرت نتيجة متسقة مع كونها جديدة.

ما الذي يمكن تعلمه من هذه المخرجات؟

أولًا: يمكن القول بالحذر المناسب انه تبدى مستوى معين من التحول في مواقف الشعب بشأن المكونات الواقعية للاتفاق في القدس، على خلاف الماضي فإن جزءًا صغيرًا فقط من الشعب ظل مؤيدًا لإبقاء الوضع القائم على حاله، ومعظم الشعب في المقابل يعتقد ان الواقع كما كان عليه كان إشكاليًا وسيكون من الصعب إبقائه إلى الأبد، لذلك فإنه مفتوح اليوم أكثر من الماضي على أفكار جديدة وجديدة نسبيًا.

ثانيًا: مستوى الانفتاح المتزايد بشأن اتفاق متجدد في القدس تماشى مع فكرة الفصل الذي هو لب “حل الدولتين لشعبين”، والذي يحظى بتأييد الشعب (حوالي 65% مؤيدين)، الشعب معني بالانفصال مع التأكيد على الحفاظ على الأمن، كما انه معني بتقليص الاحتكاك، وفي بعض الأحيان بأي ثمن ومن دون فهم انعكاساته، وسيما فيما يخص الواقع المقدسي المعقد، يجب العودة إلى التذكير انه عندما ظهر تقسيم القدس كجزء من رزمة كاملة من الاتفاق فإن الرزمة حظيت بتأييد غالبية الشعب.

ثالثًا: من المهم ان ندرس لماذا طرأت تغيرات على موقف الشعب بخصوص مستقبل القدس، سيما في هذه الفترة، حيث وقعت أحداث عنيفة في القدس في السنوات السابقة أيضًا، لكن يبدو ان لـ “موجة الإرهاب” الأخيرة – والتي كانت القوة المحركة لها شباب فلسطينيون من سكان القدس الشرقية – دور مهم في تحول الرأي العام، فالأحداث العنيفة دحضت الفرضية الأساسية القائلة بأنه من الممكن الإبقاء على الوضع القائم في المدينة، والحواجز الأمنية التي نصبت، حتى وإن كانت لفترة قصيرة في القدس، أنتجت تقسيمًا وحجزًا مبالغا فيه في الواقع بين الأحياء اليهودية والعربية. مجرد الحجز عكس تغيرًا توعويًا، فللمرة الأولى بدى التقسيم ممكنًا، وسيما لأن الفصل نفذ من قبل حكومة يمينية. يجب ان نتذكر بأن الأرضية كانت ناضجة ومهيأة للتغيرات، ففي النهاية – كما ورد – فقد اظهرت الاستطلاعات علامات التغير قبل ذلك.

ينتج عن ذلك توصية القيادة بأن تأخذ بالحسبان تأثير الأحداث على الرأي العام، إذ انه في بعض الأحيان فعلًا، وسيما في أوضاع الأزمات، تظهر فرص التغيير، بينما في الأوضاع الاعتيادية وعندما يعود الهدوء النسبي يختفي الاستعجال وتختفي معه الرغبة في التغيير. بالنظر إلى الأمام، وعلى ضوء التوجهات الموصوفة في هذا المقال، يمكن الافتراض انه كلما استمرت فترة التهدئة طالما تعززت نظرية توحيد القدس.

الآراء والألفاظ الواردة في المقال لا تعبر عن الشبكة