أضيف بتاريخ: 19 - 04 - 2017
أضيف بتاريخ: 19 - 04 - 2017
ونحن نتصفح مواقع الواب وصفحات التواصل الاجتماعي تطالعنا بين الحين والآخر عناوين تتحدث عن كرويا الشمالية كما يسميها البعض ويقصد كوريا الديمقراطية الشعبية كما تسمي نفسها. جملة المقالات والنكات والفيديوهات والصور تحمل رائحة الأسطورة. والخرافة في عالمنا العربي تجد رواجا كبيرا وصدى واسعا وقبولا لدى شعوب تبحث عن مأساة في مكان ما في العالم تنسيها ملهاتها اليومية. وحين تتفنن اذاعاتنا وتلفزاتنا في ترويج الخرافة وتصبح كوريا الشمالية وزعيمها الشاب وجبة أساسية للسخرية والتندر وكأن ما يحدث تحت أنظارنا و اسماعنا وقبب برلماناتنا أمور جدية.
ولأننا نصدق ما نشاهد فان جل ما نصدقه لم نشاهده أصلا، ففي عالمنا العربي فقط يشاهد مليون ونصف المليون شخص شريطا على اليوتوب يحمل عنوان ” أغرب 10 أشياء ممنوعة في كوريا الشمالية” غير أن العشرة أشياء الموعودة لا يتعدى وجودها خيال مركب الفيديو الذي هو في نهاية الأمر مجرد صور لا ترابط بينها ولا ندري أمن كوريا جاءت أم من الصين أم من الهند أم من بلاد الواق الواق. من جريمة مشاهدة التلفزيون إلى جريمة قراءة الانجيل إلى عدد النساء اللواتي يخدمن كيم ايل يونغ إلى تكبير الأعضاء التناسلية. هذه وغيرها هي ما تعرفه شعوبنا حول كوريا الديمقراطية الشعبية وحول زعيمها المستبد كيم ايل يونغ أو هارون الرشيد ذي العيون الضيقة …
لقد حولتنا المعجزة التكنولوجية والثورة الاتصالية والهواتف الذكية إلى شعوب غبية وكسولة فالحقيقة والمعلومة لا يفصلها عنا إلا عدد محدود من الأزرار لينطلق النبي “غوغل” وآية الله “يوتوب” فيأتيك بها قبل أن تقوم من مقامك. المحظوظون فقط يعلمون من باب الصدفة ربما شيئا ما يسمى الحرب الكورية وهي الحرب التي حولت شبه الجزيرة الكورية إلى كوريتين شمالية و جنوبية لا يزال الكوريون شمالا يعتبرونها أرضا تحتلها الولايات المتحدة الامركية . فحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كانت كوريا موحدة تخضع للاحتلال الياباني غير أن استسلام اليابان لم يعني لكوريا غير التقسيم إلى واحدة جنوبية تخضع لقوات المحور وثانية شمالية يفصل بينهما خط العرض الثامن والثلاثين وفشلت كل المحاولات لتوحيد كوريا بما فيها انتخابات العام 1948 التي أريد منها قيام كوريا ديمقراطية موحدة وفي حين قدم زعيم كوريا الجنوبية لي سين مان في نهاية 1949 لحلفائه خطة دمج الكوريتين بالقوة العسكرية وفيما كانت السياسة الخارجية الأمريكية بقيادة مهندسها جون دالاس تحرض الجيش الجنوبي على القيام باستفزازات مستمرة لجر كوريا الديمقراطية إلى حرب يفرض قواعدها الجيش الجنوبي عبرت قوات كوريا الديمقراطية الشعبية الخط الفاصل ذات صباح الخامس والعشرين من شهر جوان وفي غضون ثلاثة أشهر من القتال استطاعت قوات كوريا الديمقراطية احتلال كامل الأراضي في كوريا الجنوبية، لم يبق منها سوى المقاطعة الصغيرة “تيغو” وميناؤها “بوسان” الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة الكورية، والتي كانت تشكل مواقع وقواعد للقوات البحرية الأمريكية. وضمن هذا المشهد وجه مجلس الأمن الدولي في السابع من جويلية عام 1950 نداء إلى جميع أعضاء منظمة الأمم المتحدة للعمل عل تنفيذ القرار المتخذ بشأن تشكيل قوات متعددة الجنسية بقيادة أمريكية للدفاع عن كوريا الجنوبية ما جعل 16 دولة ترسل قواتها للمشارة في الحرب الكورية، التي كانت القوات الأمريكية قد شاركت فيها منذ أن أصدر الرئيس الأمريكي هاري ترومان أوامره للقوات البحرية والجوية الأمريكية وفيما بعد البرية أيضا في السابع والعشرين من جوان العام 1950 ذاته للدفاع عن جمهورية كوريا الجنوبية. واحتفظ الاتحاد السوفييتي بموقف عدم التدخل المباشر في الحرب الكورية بالرغم من المشاركة العسكرية الأمريكية التي أجبرت الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونغ على اللجوء لطلب المساعدة العسكرية المباشرة من موسكو وبكين، ما حدد دور كلا العاصمتين في الحرب الكورية، إذ أرسل ماوتسي تونغ 250 ألف مقاتل لمساعدة الشماليين، فيما اكتفى ستالين بارسال السلاح والتقنيات الحربية للتمكن من صد هجمات القوات الدولية. وبالرغم من تفوق سلاح الجو الأمريكي في الحرب إلا أن جيش كوريا الشمالية تمكن من تلقين القوات الدولية بما فيها الأمريكية درسا قاسيا جدا في معارك كر وفر خلال ثلاث سنوات كلفت كوريا ما يتجاوز المليوني مدني وثلاثمائة ألف جندي (كوري شمالي) قتيل و220 ألف جريح فيما تكبدت واشنطن و حلفاؤها 180 ألف قتيل ليتفق الطرفان على هدنة في العام 1953 تنص على العودة إلى خط العرض الثامن والثلاثين ليشكل خط فصل بين قوات الدولتين.
ومع الانفراج الدولي الذي بدا وكأنه جاء على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي وقعت الكوريتان اتفاقا حول المصالحة ورسم الحدود فيما بينهما في العام 1991 إلا أن واشنطن أخذت بعد عامين تثير الشكوك حول كوريا الديمقراطية باتهامها بأنها تعمل على صنع قنبلة نووية ودعت إلى تجميد العلاقات الدولية معها، ومنعت بيونغ يانغ في العام 1994 منظمة الأمم المتحدة من إجراء تفتيش على مركزين نووين على أراضيها، واتهمت سيول بالتحريض على وقف مفعول هدنة العام 1953 بهدف إجراء مباحثات جديدة، وهكذا أخذت العلاقات بين الكوريتين تتراوح بين الهدوء والتوتر وفقا لما تستدعيه الأوضاع الدولية والإقليمية لتصبح فيما بعد مشجبا يعلق عليه البرنامج النووي أولا وصناعة الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية ثانيا، حيث اجرت كوريا الديمقراطية تطوير الصواريخ الباليستية من طراز /تايبو دونغ 1 و2/ لتتمكن في أفريل 2006 من تجريب الصاروخ /تايبو هون دونغ -2/ الباليستي الثنائي المراحل والعابر للقارات والذي يصل إلى مسافة 6500 كيلومترا، وإذا ضمت له المرحلة الثالثة بإمكانه أن يطول أي نقطة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ما دفع واشنطن إلى اعلان نوايا إيجاد اتفاقية سلام متبادل مع بيونغ يانغ تنهي وضع الهدنة القائم بين الكوريتين من العام 1953 ما يعني في هذه الحال الاعتراف الرسمي من قبل واشنطن بجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وضمان أمنها واستقلالها. إلا أن نوايا واشنطن كانت تخفي سعيها المحموم للدفغ ببيونغ يانغ إلى قبول اتفاقية سلام من خلال المباحثات مع اللجنة السداسية وتقديم تنازلات تنتهي بالتخلي الكامل واللامشروط عن أسلحتها النووية وبرامج صناعتها.
وفي إطار زعزعة الوضع في شبه الجزيرة الكورية وتأثيرها على العلاقات الأمريكية الصينية، قامت الولايات المتحدة خلال بداية العشرية الثانية بتوتير الأجواء في المنطقة، في غاية منها لتبرير تواجدها العسكري الكبير من جهة، ومن جهة أخرى لجعل دول المنطقة وخصوصا الصين في حالة قلق مستمر يقوض نجاحاتها الاقتصادية عبر عمليات استفزازية ضد الجارة الشمالية المعلقة بالخاصرة الصينية، وذلك عبر إجراءات تحريضية منها المناورات العسكرية الأخيرة المشتركة مع القوات الكورية الجنوبية، ما دفع كوريا الديمقراطية للجوء إلى تعليق موافقتها على الهدنة الموقعة في العام 1953 محذرة سيول وواشنطن بالرد المباشر على أي استفزاز يسيئ إلى استقلالها وسيادتها على أراضيها.
وفي رد على هذه الاستفزازات الأمريكية بمعية حليفتها الجنوبية قامت كوريا الشمالية سنة 2003 بإغلاق مجمع “كايسونغ” الصناعي أمام العمال الكوريين الجنوبيين ومنعتهم من الدخول إليه بالرغم من أن أكثر من 120 شركة جنوبية تعمل في هذا المجمع الصناعي المشترك، الذي يرمز إلى التعاون بين البلدين، والذي يعمل فيه أكثر من خمسين ألف كوري شمالي.
وبعد ان قامت قاذفات أمريكية بطلعات جوية فوق الأراضي الكورية الشمالية، ما اعتبرته بيونغ يانع تهديدا لأمنها وضعت كوريا الشمالية صواريخها ووحدات مدفعيتها طويلة المدى في حالة تأهب قتالي لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في جوام وهاواي والاراضي الأمريكية نفسها.
بالمقابل اتخذت الأمم المتحدة قرارا لاطلاق جملة جديدة من العقوبات الدولية لوضع حد لتطوير بيونغ يانغ برنامجها النووي والصاروخي، وطلبت الهيئة الدولية من جميع الدول وقف معاملاتها المالية أو الخدمات التي يمكن أن تساهم في تطوير ذلك البرنامج.
وكما لم تأبه كوريا الشمالية بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالعقوبات في الماضي، فإن القرارات الجديدة بالتالي لم تتمكن من تغيير وجهة نظر الشمال، بل على العكس من ذلك، إن العقوبات الجديدة أغلقت الباب أمام أي أمل في تسوية الوضع في شبه الجزيرة الكورية.و في مقابل تصريح الزعيم الشاب كيم أول يونغ أن السلام مع الولايات المتحدة الأمركية يقوم على أساس قوة نووية منيعة قام وزير الخارجية آنذاك جون كيري (2013) بالقول إن “الخيار الذي تبناه كيم يونغ أون استفزازي. إنه خطير ومتهور، والولايات المتحدة لن تقبل بكوريا الشمالية قوةً نووية”.
ومع قدوم ترامب إلى البيت الأبيض واعلانه عن عودة أمريكا عظيمة مرة أخرى عبر شعار:
Let’s make america great again
عادت المسألة الكورية إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن عملت الآلة الدعائية على شيطنة هذا البلد وزعيمه الشاب طيلة السنوات الأخيرة و لأنه ليس من السهل الركون إلى آليات التحليل السياسي التقليدية مع وجود الرئيس الامركي الجديد في المكتب البيضاوي بمواقفه الغامضة ووضعه السياسي غير المستقر الناجم عن الاتهامات الموجهة له بالتعامل مع روسيا، الأمر الذي يدفعه إلى التهور لتبرئة نفسه فان امكانية المواجهة العسكرية مع بيونغ يانغ تبقى قائمة على مرأى ومسمع من التنين الصيني والدب الروسي رغم التراجع الأميركي الذي قد يكون تكتيكيا ورغم مؤشرات العمل الصيني الروسي المحدود على منع التدخل الأمريكي الذي قد يتحول على عمل ثنائي استراتيجي يوقف أميركا، لان زعيم الوطن الكوري الديمقراطي الشعبي سيواصل التحدي ولو منفردا كما قال.
بلحسن اليحياوي