خاص/ دراسة للدكتور نسيم بلهول. المصلح المسلح: دور العمليات غير العسكرية للقوات المسلحة الجزائرية في الإستقرار ودعم المصالحة في ليبيا

أضيف بتاريخ: 16 - 03 - 2017

مقدمة:
تعتبر عملية المصالحة الوطنية في مجتمع محطم الإرادة وغير موحد الكلمة بعد أي صراع من العمليات المعقدة والمتشعبة. قد يتطلب ذلك مجهودات بطولية وغير عادية لمواجهة الماضي الذي تعرضت فيه قطاعات المجتمع للمعاناة على أيدي آخرين. ومن ثم، دفع المجتمع بعد ذلك للسير قدماً، ويتطلب الأمر في بعض الأحيان استخدام القوة العسكرية لتأمين حدوث ذلك. وبناءًا على هذا، عندما تجد القوات المسلحة نفسها تعمل على تقديم المساعدة في إعادة بناء الهيكل الاجتماعي لدولة مهشمة أو« شبه دولة» في نطاق مساحة من الأرض الغير محكومة إدارياً، يجب أن تفكر في استخدام القوة العسكرية ك«وظيفة إجبارية» لتقريب المجتمعات السكانية المتضررة وإعادة تضامنها مع بعضها البعض.
والدراسة هذه تتناول وظيفة القوات المسلحة الجزائرية كمصلح مسلح والتي غالباً ما يغفل عنها أو يساء فهمها، بالتالي، هذه الدراسة ترسم مبادئ أساسية لعملية دعم المصالحة والإستقرار في ليبيا:

1.العفو والمصالحة.
و2. إعادة التضامن الوطني وهو ما سيذكر فيما بعد اختصاراً AR2.

وهذه العملية متداخلة بالفعل في صميم السياسة والمبادئ الوطنية وهي تُوصي بالطرق التي يمكن فيها للقوات المسلحة -كأداة لهذه السياسة- القيام بدور المصلح. وهذه الدراسة من هذا الباب يمكن أن تعتبر كإضافة للاجتهادات المتعددة التي تناولت عملية المصالحة بين الأعداء السابقين وإعادة بناء مجتمع موحد، للخروج من حالة الفوضى.
تقدم الخبرات السابقة والموضحة بالأبحاث التي سترد فيما بعد القاعدة التجريبية للتحليل، وهذه الدراسة تشير إلى العلاقات الداخلية الديناميكية بين عوامل عملية AR2عن طريق افتراض نموذج ذو أبعاد تتوافق تماماً وشمولية الخبرة لدى القوات المسلحة الجزائرية. كما تتطرق الدراسة وستكشف أيضاً كيف يؤثر دخول مُصلح مسلح خارجي على كل من الأبعاد الاجتماعية للعملية والتوافق بين العفو في أحد صوره وتحقيق المصالحة. والدراسة تفترض حالة النجاح الأولية وأمل الحصول على مناقشة حول المبادئ ذات العلاقة والتي يمكن فهمها وإدراكها، ومدى كفاءة القائمين عليها والمنافع التي تجنى عند القيام بمثل هذه المهام عن طريق القوات المسلحة الجزائرية.

AR2 كنموذج متعدد الأبعاد:

لا تعتبر AR2 في حد ذاتها كياناً مستقلاً، فهي كعملية تشتمل على ثلاثة مراحل متميزة من إعادة البناء الإجتماعي وذلك بعد تضعضع الدولة. تعتبر هذه المراحل الثلاثة في حد ذاتها ثلاثة عمليات متميزة ولا تكون عادةً مسيرة مجتمعة سوية، ولكل منها لها مفاهيمها الخاصة التي تحيط بها وتقيم حواجز تصويرية تحول دون استخدام AR2 كمبدأ متكامل.
يعتبر العفو من عناصرAR2 وعادة ما يدخل في إطار مناقشة “المصالحة الوطنية” وهو يعد من أكثر العناصر وضوحاً وأكثرها تعقيداً في تعريفه. كما وستركز الدراسة على منظمة الأمم المتحدة وعلى المنظمات الدولية الأخرى والتي تعتبر لها أدوار رئيسية في مجال المصالحة الوطنية.
يُعرَف قاموس أوكسفورد الخاص بالقوات المسلحة العفو على أنه « العفو الرسمي عن أفراد تم إدانتهم لأسباب سياسية ». يعتبر العفو عموماً أقل ما يمكن عمله لتحقيق المصالحة. من المهم معرفة أن العفو يعتمد على السياق والمغزى الثقافي والقيم المُتبعة في المكان الذي نشأت فيه ويتم العفو فيه، وكونه يسمى عفواً أو يطلق عليه إسم آخر، فذلك له نفس الأهمية أيضاً. إن كيفية تنفيذ العفو ولأي مدى وفيما إذا كان عفواً كاملاً أم محدوداً يعتمد بصورة كبيرة على الظروف المحلية. وبغض النظر عن ذلك، فإن هناك إطار واحد في هذا النقاش يدور حول ضرورة حدوث نوع من الحوار الاجتماعي والسياسي والذي يؤدي في غالبية الأحوال إلى إحدى صور العفو. عموماً، يجب أن يتم العفو أساسا قبل حدوث المصالحة التي غرضها هو إعادة التضامن. تعتمد المصالحة وإعادة التضامن على الظروف الخاصة لكل حالة وهما يتبادلان الترتيب وليس التحقيق حيث أنه يجب أن يتم تنفيذهما لتصبح عملية AR2 كاملة. على سبيل المثال، لنتصور مجتمع ما بعد انتهاء الحرب الأهلية وهو مجتمع أعيد دمجه من الناحية الفنية (عن طريق إعادة الممثلين الذين كانوا في السابق خارج النظام مرة أخرى داخل هذا النظام) ولكن المجتمع قد يكون بدون مصالحة وخصوصاً إذا لم يساهم المجتمع ككل في عملية إعادة التضامن.كما ولقد أظهرت دراسات الحالات التجريبية أن الفكرة القائلة بأن مراحل ««R2 في عملية AR2 أقل أهمية من مرحلة “A” هي خيال تام. تعتبر عملية AR2 التامة والكاملة عملية بناءة وشاملة.
من باب الاختصار والوضوح من الضروري التنبيه أن عناصر العفو والمصالحة هي ثقافية محددة. إذ يمكن تقبل فكرة كون الاختلافات الثقافية ذات دور واضح في تحديد الشروط الخاصة بحدود عملية إعادة التضامن، أي (كيف ستكون معالم مؤسسات التضامن الوطني أو كيف سيكون تكوينها أو إلى أي مدى سيتقبل المجتمع وجود وسيط دولي). والأكثر من ذلك، يجب أن يؤخذ في الاعتبار الاهتمامات الثقافية والخصوصيات العقائدية عند المحاولة من أجل هيكلة أي عملية تتعلق بـ AR2من الخارج، وخصوصاً عند اكتشاف وتفهم المسارات الثقافية المناسبة التي ستتبعها الأطراف المتضررة لعمل إطار يوصل إلى إعادة التضامن الوطني. ومع هذا، ولغرض وصف المبادئ العامة لعملية AR2، فإن الإطار الذي سيتم عمله هنا يستخدم ضمنياً هذا التصور الإنساني للممارسات المذكورة.
هناك جملة من الأفكار والمقترحات المطروحة والتي تدخل في هذا الإطار: فالعوامل الهامة ثقافيًا ومجتمعياً قد تحدد إلى أي درجة يمكن تحقيق كل من عناصر مكونات العملية (أو حتى ترتيب حدوثها). وعملية العفو والمصالحة وإعادة التضامن واللحمة الوطنية هي في حد ذاتها العامل الموحد بين كل تلك الحالات. هذا يعني أن العملية واحدة عبر كل الثقافات المعنية في هذه الدراسات. فالدراسات الحديثة الجارية في كل من التدريب السنوي الذي يخص «محارب المستقبل» في برامج التكوين العسكري والمعاهد العسكرية للدراسات العليا العالمية تؤكد هذه النتيجة. هذه الأعمال بدأت أيضاً في مراعاة بعض المسارات لفهم الثقافة الاجتماعية للناس والقيم الواضحة.
وبموجب أي منظور عام، تتطلب العملية الشاملة للعفو والمصالحة وإعادة التضامن الكامل والشامل داخل السياق الاجتماعي والثقافي ثلاثة أبعاد ذات صلة وعلاقة متبادلة في الدولة المفككة. هذه الأبعاد هي:

1. البعد السياسي.
2. البعد الاقتصادي.
3.توفير الأمن.

سوف يِؤدي عدم التمثيل الكامل واللحمة بين هذه الأبعاد في أحسن الحالات إلى إعادة بناء غير متكامل للدولة المفككة، وهي أسوأ الحالات لتي قد تؤدي إلى زرع البذور التي سوف تؤدي إلى عودة ظهور الأوضاع التي أدت إلى حدوث الصراع في بادئ الأمر.
هذه العملية المتعددة المراحل والأبعاد تعتبر مألوفة ومشتركة في كل الخبرات التجريبية للمصالحة الوطنية وإعادة التضامن للمجتمعات السكانية المتضررة. (رسم تخطيطي في الشكل رقم 1 يوضح مثال لهذه العملية المتعددة الأبعاد). نموذج لعملية AR2 في هذه الدراسة توضح ما سبق ذكره.كان هنالك في الواقع عملية AR2 في كل من الحالات التجريبية التي تم دراستها، ففي كل حالة، كانت كل من عناصر مكونات العملية موجودة (العفو والمصالحة وإعادة التضامن الوطني والاجتماعي). عموماً لن نقوم بفحص كل من عناصر المكونات بالتفصيل. والجانب المثير للاهتمام في كل هذه الحالات هو: كيف أثرت العلاقة الديناميكية بين كل من الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمن للمجتمع والدولة التي أجريت فيها عملية AR2 على سرعة وعمق ومرونة النتيجة النهائية. يمكن للعملية ككل أن تكون ناجحة عندما تكون هذه الأبعاد المكونة للمجتمع متوازنة. وبأبسط تعبير، تحاكي الأبعاد الثلاثة لنموذج AR2 الأقسام الموجودة داخل أي مجتمع معاصر.
إن تعريفنا للبعد السياسي هو: أي نشاط سياسي يحدث داخل الهياكل الحكومية الرسمية وعلى أي مستوى من مستويات المجالس المحلية للمدن وتمتد إلى حكومة الدولة/الإقليم أو الحكومة الوطنية. وعلى هذا يمثل المجتمع السياسي العكس تماماً من المجتمع المدني والذي يعرف بصفة عامة من خلال الجمعيات التطوعية، الشبكات أو غيرها من المنظمات الغير سياسية أو غير حكومية. البعد الاقتصادي للمجتمع هو الذي تنطلق فيه النشاطات الاقتصادية. ونحن هنا لا نميز أو نفرق بين القطاعات الرسمية الحكومية وغير الرسمية للاقتصاد. وأخيراً، البعد الأمني في المجتمع الذي يتم التعامل فيه مع الأمور التي تواجه المجتمع عن طريق اللجوء إلى سلطة الشرطة والقوة القضائية و/أو العسكرية (عندما يكون ذلك مناسباً ولمساعدة السلطات المدنية في حالات الكوارث التي تعصف بالبلاد).
تم استخدام عملية AR2 في أماكن مميزة وحالات وأوقات معينة مترابطة أو متصلة ببعضها. وكان استخدامها وفي كل حالة يعطي نفس الخواص النوعية المحددة. وقد احتوت كل حالة أيضا على العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق حالة AR2 كاملة التكوين وناجحة في نفس الوقت. في بعض الحالات كانت هذه العناصر موجودة بكثرة وكانت العملية تبدو مستقرة ومرنة. وفي بعض الحالات الأخرى كانت هناك صعوبة أكثر في التعرف على العناصر أو كانت غير متوازنة مما أدى إلى الشك في تحقيق المصالحة وإعادة التضامن الوطني على النحو الكامل.

الشكل رقم 1- أبعاد عملية AR2

ولزيادة الأمور تعقيداً فإن هنالك مستويات أو طبقات متعددة للأبعاد الثلاثة السالفة الذكر والتي يجب أن تتم من خلالها عملية المصالحة في الدولة والمجتمع: يتضمن المستوى الأول تقبل المجتمع للمصالحة لكي تتم العملية داخله، كما ويجب أن يكون ممثليه المنتخبين متقبلين لفكرة المصالحة. يختلف مستوى تقبل المجتمع للمصالحة مع مرور الزمن واختلاف المكان (كما هو مبين في الشكل الافتراضي أعلاه والذي يُطلق عليه كذلك معرفة حجم “النقطة الحلوة” التي تقع في منتصف الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمن). يمكن اختبار مستويات التقبل خلال القياسات الناتجة من الأبعاد الثلاثة للنموذج.كمثال، يمكننا أن نقول أن المجتمع سياسياً يتقبل المصالحة وإعادة التضامن والتلاحم عندما يتبنى هذا المجتمع نظام حكومة نيابية وعندما تمثل هذه الحكومة صورة مرضية وعادلة لدى كل الفئات والطوائف في المجتمع، وعندما ينتقل نظام الحكم من حكومة إلى التي تليها بصورة سلمية. وعلى نفس المنوال، فالمجتمع المتقبل للمصالحة اقتصاديًا يمكن أن يكون المجتمع الذي تحدث فيه محاولة لدراسة الفجوة الناتجة عن تباين الدخل أو دراسة عملية الإصلاح الزراعي. أخيراً، المجتمع المتقبل للمصالحة بالنسبة للبعد الخاص بالأمن قد يكون ذلك المجتمع الذي ينظر المواطنون فيه إلى قوات الشرطة على أنهم الحماة وليسوا المعتدين والقوات المسلحة تعمل على حراسة الدولة والحكومة بدلاً من كونها مجرد منفذة للقضاء.
يؤدي زيادة التقبل للمصالحة في أي من الأبعاد الثلاثة إلى احتمال زيادة التقبل على مستوى الأبعاد كلها. فلكل من الأبعاد الثلاثة للمجتمع الذي يقوم بتنفيذ عملية AR2 عنصر رئيسي له علاقة بتحقيق التوازن بين هذا البعد والبعدين الآخرين مع توسيع مساحة «النقطة العذبة» في المنتصف. لتحقيق الإتزان مع البعدين السياسي والاقتصادي، يجب أن يكون هناك محرك غير سياسي وغير متحيز- «الوسيط الأمين»- في البعد الخاص بالأمن لإعادة الأرضية السياسية لحكومة ممثلة ولتحسين قدرة الاقتصاد على التكيف مع بيئة ما بعد الصراع. وتلعب كل من عناصر الشرطة والقضاء أو القوات المسلحة عادةً دوراً مركزياً في المحافظة على الانضباط والنظام وتحقيق العدالة. وللدلالة على ذلك، فإن هذا الدور يجب أن تقوم به قوات الأمن الداخلي، ولكن عند تعذر القيام بمهام هذه الوظيفة (بسبب الصعوبات الحقيقية المتعلقة بتقويم قطاع الأمن وجعل مهمته غير منحازة لجهة وبعيدة عن السياسة) في هذه الحالة يجب أن يكون هنالك منفذ أو ممثل خارجي مستعد للتدخل كمُصلح مُسلح يمتلك القوة. ما هو مهم أيضاً هو الثقل الذي يمتلكه كل بعد بالنسبة للبعدين الآخرين.
يمكن أن يعطي رسم الأبعاد -أعلاه- بناءاً على مقياس رسم نسبي، صورةً أوضح للقائم بالتحليل، مع أنه رسم مبسط غير أنه يمكن القائم بالتحليل من تحديد أين وكيف يجب استهلاك الطاقة في عملية AR2، هذه الصورة تصبح ذات أهمية عظمى عند محاولة تحديد دور للمصلح المسلح في تحقيق تأثير ودفع المجتمع ليتعمق ويركز أكثر في عملية AR2. فعلى سبيل المثال، عندما ترى الأطراف المتضررة أن المشكلة في البعد الاقتصادي أكبر منها في الأمن يكون دور القوات المسلحة- كأداة إجبار- هو توفير المزيد من الأمن لتمكين العاملين الاقتصاديين المحليين من دفع التغيرات الاقتصادية للأمام لتحقيق الفائدة للجميع. فالمخططون للعملية يجب أن يراعوا عند رسم مخطط الأبعاد توفير نظرة مكثفة وصورة تصور سير العملية، وأن حالة المصالحة الوطنية قد تكون ذات ثقل أكبر في مرحلة قادمة عما كانت عليه عند البداية.

القوات المسلحة ضمن جوانب عمل AR2:

عند التركيز والاعتماد على القوات المسلحة كمُصلح مُسلح فإن AR2 تندمج كعملية ضمن عقيدة القوات المسلحة للدولة المحور إقليميا وسياساتها بالإضافة إلى المستوى الإجمالي للتطبيقات والخبرتين الإقليمية والعالمية.كانت القوات المسلحة ومازالت الأداة الأكثر ظهوراً للقوة الوطنية بالنسبة للدول المعرضة للتفكك والهشاشة. ومن هذا المنطلق فإن لديها بالإضافة إلى القدرة على الظهور في عناوين الصفحات الأولى عندما تقوم بعمليات حاسمة لتساند سياسة وإستراتيجية إقليمية معينة أهمية كعامل ذو قيمة كبيرة في عمليات نشر الاستقرار. بينما تعمل هذه القوات – القوات المسلحة التابعة للدول المحور إقليميا والمنضوية تحت راية التحالف الدولي ضد الإرهاب- حول العالم في الحرب ضد الإرهاب. أصبحت مسؤولة عن إرساء الظروف المناسبة لبيئات ما بعد الصراع، وعمليات إحكام وضبط إيقاع التوازن والحيوية إقليميا. فبموجب مراجعة سريعة لدليل الميدان للقوات المسلحة الجزائرية مثلا (دليل الميدان 16-55) الخاص بالعمليات، فإن اشتراك القوات المسلحة الجزائرية في عملية تشجيع المصالحة الاجتماعية: يقضي بضرورة تنفيذ ذلك من خلال «عملية الاستقرار» حيث «يؤدي وجود القوات المسلحة إلى توفير بيئة مستقرة »0 مع أن دليل الميدان 16-55 لا يذكر صراحة ذلك، فإننا يمكننا أن نفترض بدرجة معقولة أن عمليات الاستقرار تستمر قدماً حتى يتمكن المجتمع من الاعتماد على نفسه، وعلى هذا تتولى القوات المسلحة دور المصلح العسكري.
تلعب عمليات الاستقرار دوراً في عمليات إعادة البناء بعد انتهاء الصراعات، خصوصاً بالنسبة للمنظمات الدولية، في عدة اجتهادات علمية تتعلق بإعادة البناء بعد انتهاء الصراعات وبصفة خاصة إصلاح قطاع الأمن، يمكن رؤية دور القوات المسلحة في ضوء الأمن الداخلي، بمعنى أنه عادةً يكون التركيز على كيفية التصرف تجاه بقايا البنية التحتية العسكرية والأمنية التابعة لنظام الحكم السابق. مثل هذا التركيز رغم أنه هام إلا أنه مقيد ولا يأخذ في عين الإعتبار الدور الحيوي جداً الذي يمكن للقوات المسلحة أن تقوم به كوسيط نزيه وراعي من خلال تطبيق برنامج AR2 بضمير حي وشكل جيد في دولة تحتاج بشدة للمصالحة. ومثال على ذلك، هناك مهمة جديدة نوعاً ما للقوات المسلحة الجزائرية في عمليات الاستقرار والتي أقرتها وزارة الدفاع الجزائرية تحت الرمز التوجيهي رقم.33.56000.88، والفقرات التالية 22،4، 7.15 و1.44 ذات العلاقة الهامة هنا هي:

• 4.22 عمليات الاستقرار تمثل مهمة رئيسية للقوات المسلحة الجزائرية، ووزارة الدفاع الوطني سوف تكون مستعدة لتنفيذ ومساندة هذه العمليات. سوف يتم إعطاء أولوية لهذه العمليات المشابهة للعمليات القتالية وسوف يتم التعامل معها ودمجها خلال كل أنشطة وزارة الدفاع الوطني، ويشمل ذلك الأسلوب، المنظمات، التدريب، التعليم، المواد، القيادة، الأفراد المباني والتخطيط.
• 7.15 عمليات الاستقرار يتم تنفيذها للمساعدة في نشر النظام الذي يدفع للأمام مصالح وقيم الجزائر إقليميا. ويكون الهدف الفوري عادةً هو توفير الأمن للسكان المحليين ودول الجوار، استعادة الخدمات الأساسية وتوفير الاحتياجات الإنسانية. ويكون الهدف البعيد المدى هو المساعدة في تطوير القدرة الوطنية على توفير الخدمات الضرورية، اقتصاد سوق حيوي، سيادة القانون، بناء مؤسسات ديمقراطية ومجتمع مدني قوي.
• 1.44 هناك عمليات استقرار عديدة يتم تنفيذها بصورة أفضل بواسطة الخبراء الوطنيين أو الأجانب. ومع هذا فإن القوات المسلحة الجزائرية سوف تكون مستعدة للقيام بكافة المهام الضرورية لنشر النظام والمحافظة عليه عندما لا يتمكن المدنيون من القيام بذلك. سوف يساعد تنفيذ هذه المهام بنجاح في المساعدة على توفير سلام دائم و يسهل الانسحاب في الوقت المناسب للقوات الجزائرية ودول الجوار الجغرافي.
بإتباع طريقة التفكير الجديدة هذه، تصبح عمليات الاستقرار جزءاً من عملية التطوير الداخلية للدولة المستقبلة من فترة الصراع إلى المصالحة الوطنية. عادةً ما يصرُ رجال الدولة صانعو السياسات أو المنفذون العسكريون للسياسات على هذه العملية ويفشلون في تقدير التعقيدات المتعلقة بإعادة بناء مجتمع كانت فيه جماعات وطوائف مسلوبة القوة لفترات طويلة أو مستبعدة تماماً من أي تنظيمات للحكم. هم يرون المصالحة الوطنية في شكل خطي موجهة لغاية، حيث يكون النجاح الكلي محدد بصورة أكبر بنجاح العملية نفسها وليس بخلق مجتمع ودولة موحدين. بمعنى آخر، الوسيلة تكون هي النهاية.
الوصفة التي تنتهي بكارثة تكمن في الفشل في إدراك أن المصالحة الوطنية هي مجرد جزء من عملية أكبر، وأنه يجب السعي لتحقيقها بالتوافق مع الخطوتين اللتين لهما نفس درجة الأهمية وهما: العفو وإعادة التضامن والتلاحم الوطني. الفخ الثاني الخطير يكمن في الفشل في تفهم دور القوات المسلحة في المساعدة لإنجاح عملية AR2. ونتيجة لذلك، يجب أن يكون هناك حوار واضح حول ما سيحدث عندما تؤدي القوات المسلحة دورها كمصلح مسلح وهذا عندما تستمر عملية التحول نحو الاستقرار. ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه القوات المسلحة لتدفع المجتمع قدماً نحو المصالحة الوطنية؟، هل يجوز لأمة، وخصوصا تلك الأمة التي استخدمت قواتها المسلحة لفرض تغيير في نظام حكم هذه الدولة، أن تضع هذه القوات في هذا الوضع الصعب إقليميا؟. بالنسبة لدولة مثل الجزائر، الإجابة هي نعم: فهي تستطيع أن تدفع المجتمع قدماً نحو المصالحة الوطنية وترى أنه من الواجب عليها استخدام قواتها المسلحة جهويا وإقليميا (في إطار دبلوماسية عسكرية فاعلة) كمصلح مسلح نظرا للحاجة الإقليمية الشديدة لطرف ثالث غير منحاز في عملية المصالحة.
لقد أظهرت دراسة الحالات أن القوات المسلحة الخارجية يمكنها العمل بنجاح في دور الوسيط النزيه في المفاوضات الاجتماعية. لاحظ عبارة «الوسيط النزيه» في مقابل عبارة «الحكم المحايد» أو الوسيط، الاختيار الدقيق لهذه الكلمات يراعي الحقائق الفعلية في مواقف ما بعد انتهاء الصراع. «الغير منحاز» لا يعني المحايد و«الغير سياسي» لا يعني عديم السياسة. إذ هناك توقع أن تقوم القوات المسلحة بالمساعدة حيثما وعندما يكون ذلك ممكنا للتقريب بين الأطراف المتحاربة من أجل تحقيق المصالحة. يمكن أن نجد كيفية عمل ذلك في ما يطلق عليه في أسلوب القوات المسلحة للدول والقوى المحور إقليميا معايير«إنهاء الصراع».

معايير إنهاء الصـراع:

لكي تتمكن القوات المسلحة من العمل كوسيط نزيه و«أداة إجبار» في مجتمع يحتاج للمصالحة الوطنية. يجب أن يتفهم القادة معايير التصرف في المواقف الانتقالية. معايير إنهاء الصراع ضرورية لعمل مجموعة من النماذج التي يمكن قياسها والتي يمكن استخدامها لتحديد الأولويات التي ستقابل المجهودات، وكيفية الانتقال من حالة المدعوم إلى حالة الداعم في الصراع. إذا تم هذا بصورة صحيحة، يمكن لمعايير إنهاء الصراع أن تقيم الأوضاع التي يمكن بها للقوات المسلحة أن تدفع المجتمع قدماً نحو المصالحة.
إن معايير إنهاء الصراع الكلي يتم تطويرها في التخطيط ضمن الحملة، وتعتبر معايير إنهاء الصراع ذات أهمية قصوى ويجري تعريفها جيداً عند التحول من عمليات القتال إلى عمليات السلام والاستقرار ما بعد انتهاء الصراع. السياسة المشتركة للجزائر إقليميا مثلا تدرك ذلك وبصفة خاصة، وهو ما جاء في النشرة الأفريقية المشتركة (JAP) 9-5 العمليات المشتركة التي تنص على أنه: « من الطبيعي أن تستمر العمليات العسكرية بعد الانتهاء من عمليات دعم القتال الرئيسية ». النشرة المشتركة (JAP) 9-5. «سياسة التخطيط للعمليات المشتركة» ورد فيها كلمة إنهاء الصراع ضمن «أساسيات خطط الحملة». وتذكر أيضاً أن الخطة الجيدة للحملة تعمل كقاعدة للتخطيط الثانوي وتُعرٍف بوضوح ما يشكل النجاح بما في ذلك أهداف إنهاء الصراع وأنشطة ما بعد انتهاء العداء المحتمل. بمعنى آخر، التخطيط للحالة المستقبلية للمجتمع بعد انتهاء الصراع يجب أن يتم في نقس الوقت مع التخطيط للتصرف العسكري.
إن تطوير معايير إنهاء الصراع الواضحة والمُعرفة جيداً تعتبر ضرورية للغاية ولكن ليست كافية لعملية .AR2 فقد تتم عملية AR2في بيئة عدائية فور انتهاء عمليات القتال الرئيسية، أو أثناء عمليات مكافحة المتمردين، كما أن بعض «أنشطة ما بعد انتهاء الأعمال العدائية» التي تذكرها النشرة الأفريقية المشتركة (JAP) 9-5 تشترط وجوب التخطيط لها خلال عمليات القتال. في الواقع، إن التصور الكامل للأوضاع التي قد يتم على ضوئها تنفيذ عملية AR2 يجب أن تشكل عنصراً رئيسياً لأي تخطيط لفترة ما بعد انتهاء الأعمال العدائية. كما ويجب أن تندمج عملية AR2 وتدخل في حلقة إنهاء الأعمال العدائية، فهي نفسها تقع وتندمج ضمن التخطيط لحملة العفو والمصالحة وإعادة التلاحم في البلد الواحد.

العفو المصالحة الوطنية وإعادة التضامن (AR2)وهو (DDR):

عملية AR2 المدعومة من طرف القوات المسلحة ليست مجرد اهتمام مشترك، لأن عملية نزع السلاح وعدم نشر قوى مسلحة وإعادة تلاحم المجتمع وتضامنه Disarmament, Demobilization & Reintegration DDR لها بعض أوجه التشابه الواضحة المُشرَعة من قبل هيئة الأمم المتحدة ويمكن اعتبارها كبديل في المجتمعات متعددة الأطراف ومابين الأجهزة والوكالات المختلفة. ولكن هناك اختلافات رئيسية بين العمليتين، فطبقا لتعريف هيئة الأمم المتحدة لعملية DDR فإن غرضها المساهمة في بسط الأمن والاستقرار في مجتمعات البلدان بعد انتهاء الصراع حتى يمكن بدأ عمليات التوعية والتطوير. إن DDR تعتبر عملية في غاية التعقيد لكونها تخص المتحاربين السابقين. فهي ذات أبعاد سياسية، عسكرية، أمنية، إنسانية، واجتماعية، واقتصادية. تهدف هذه العملية إلى التعامل مع المشاكل الأمنية التي تظهر عندما يترك المتحاربين السابقين مهمشين من دون دعم ووسائل المعيشة اليومية إلا ما وفر لهم النضال السابق خلال الفترة الحرجة للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة السلام والتطوير.
تعمل عملية DDR على نزع السلاح من أيدي المحاربين وإخراجهم من هيكل العقلية العسكرية ثم مساعدتهم على الاندماج والتضامن في المجتمع اجتماعيا واقتصاديا.كما تراعي هذه العملية المرحلية في أساليب استرجاع المحاربين السابقين ومساعدتهم ليصبحوا أعضاءاً حقيقيين في عملية البناء والسلام. كما وتبين عملية DDR الخاصة بالأمم المتحدة دور المراقبين الدوليين المحايدين ما بعد انتهاء الصراع في مساعدة المواطنين المسالمين أو شبه المسالمين وأوضاعهم، وهو ما يمكن توقعه عند الأخذ في عين الاعتبار مهمة الأمم المتحدة. تختلف عملية AR2عن عملية DDR من حيث كونها تدرك أنه حتى في البيئة التي لا تبدي مرونة وتساهل يمكن أن تستفيد وتنتعش من بذور المصالحة الوطنية. وفي غالب الأحيان، كثيرا ما وجدنا أن البيئة الغير متساهلة تكون خطرة جداً بالنسبة لأي استخدام للقوة الوطنية التي تساندها قوة عسكرية ضارية، وأن الفرص لدفع العملية الخاصة بالمصالحة قد تكون ذات عمر قصير.

الخلاصة: هل يمكن أن توجد عملية AR2 قابلة للتعميم؟

تتبع هذه المقاربة “المصلح المسلح” تجارب ميدانية لدور القوات المسلحة في عملية بناء الاستقرار والسلم كوجهة سوسيوعسكرية تعمد إلى إدماج العمليات العسكرية في مشاريع التخطيط الاجتماعي والاقتصادي للدول موضوع الهشاشة والانهيار. وسوف تبين كيف نجحت أو في حالات أخرى لم تنجح في حالات مُميزة وإن لم تكن فريدة. وتلقي كل حالة الضوء على تعقيدات دقيقة و متغيرات، وهذا يمكن أن يحدث لأي عملية AR2 معقمة، ولكن عند تجميع هذه الأمور سوياً، تظهر المبادئ الأساسية للعملية ككل. هذه المبادئ يمكن تلخيصها بالطريقة التالية:
• مبدئياً، يجب أن تخلق عملية AR2 تاريخاً مشتركاً تتقبله جميع الأطراف المعنية في النزاع.
• يجب تقديم صورة واضحة للحالة النهائية لعملية AR2 كجزء من عملية التخطيط، وجزء آخر من خطة إعادة البناء والاستقرار عند انتهاء الصراع.
• لا يمكن رؤية العفو على أنه عملية في حد ذاته ولكن يمكن اعتباره كبداية لعملية تنتهي بالمصالحة. بالإضافة إلى ذلك، يجب توفر الجوانب الثقافية المميزة لكيفية إعداد العفو وتطبيقه.
• يجب أن يكون هنالك تفهم متبادل ومشترك للعفو، بمعنى أن تكون كل الأطراف مستعدة لتقبل هذا العفو. كما ويجب أن يطبق العفو على كل أطراف النزاع ويكون مقبولاً من هذه الأطراف نفسها.
• في عملية المصالحة يجب أن يكون العدل إصلاحي وليس عقابي.
• عمل العدالة العقابي (المنتصر) يجب أن يقود ويؤدي إلى القضاء على بؤر الاعتراض والاحتجاج في المستقبل، بينما العدالة الإصلاحية تأخذ في عين الاعتبار الآراء التي يعبر عنها كل الأطراف (المتضررة وغيرها).
• يجب الاعتماد على طرف ثالث وسيط، يكون هذا الوسيط غير متحيز ويتمتع بالنزاهة والقوة لإتمام عملية AR2 كاملة.
• في مناطق التوتر والقلق الإقليمي وضع طرف ثالث كمشرف ومراقب ييسر ويسهل عملية AR2. ولكن القوة الزائدة (وضعه كقاهر أو المستبد) أو القوة القليلة جداً ك (وضع المراقب) يمكن أن تكون غير مُجدية.
• المصالحة الاقتصادية والسياسية تحتاج أن تبدأ حتى ولو كانت القوات المسلحة مُنشغلة بمسائل تتعلق بخلق بيئة آمنة، كما أن إعداد الأوضاع لعملية AR2 بعيدة المدى يجب أن تتم بالأساليب المدنية التي هي أفضل من الأساليب العسكرية.
• من الأحسن تسليم العملية AR2 للسلطات المدنية وتحويل إداراتها إليها بالسرعة الممكنة أي (تطبيع المجتمع) وذلك هو الأفضل.
• كلما طال الوقت لخلق بيئة متسامحة ومسالمة تقبل ببعضها البعض بالكامل، كلما قلتْ فرص استقرار المجتمع. فإطالة الوقت تقلل من فرص النجاح.
• إن هذه المبادئ الإستنتاجية تسري من الافتراض القائل بأن أي مجتمع بعد انتهاء الصراع المسلح يحتاج إلى المساعدة من طرف وسيط نزيه، وهي تتبع هذا الاستقرار من التحليل التجريبي لستة حالات محددة يمكن للمرء أن يدركها من المبادئ والمعتقدات العامة المبينة في هذه الدراسة التي تتحدث عن مكونات عملية AR2 بالإضافة إلى أسس السياسة الخاصة بتحديد تدخل القوات المسلحة بصورة مشروعة في هذه العملية. السؤال الذي يبقى الآن في الأذهان هو: متى يُمكن للمجتمع أن يعتمد على نفسه في عمليات المصالحة الوطنية؟، أو بمعنى آخر، متى يتم الاستغناء في المصالحة الوطنية عن عناصر التدخل العسكري؟ أو بمعنى آخر، متى يتم الاستغناء عن أدوات الإجبار؟.