أضيف بتاريخ: 13 - 03 - 2017
أضيف بتاريخ: 13 - 03 - 2017
د. أمال وهدان. فلسطين المحتلة. لشبكة باب المغاربة
جاءت زيارة نتنياهو لموسكو، وهي الثالثة في غضون أقل من سنة، تعبيراً صارخاً في الشكل والمضمون عن المأزق الوجودي الذي اشتد خناقه على عنق هذا الكيان الاستعماري. فاصطحابه رئيس أركانه ورئيس استخباراته العسكرية ، على غير العادة ، في محادثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تشير ، وفقا للتقارير الإعلامية، إلى جدية المباحثات والرسائل القلقة التي يحملها نتنياهو ، خاصة مع اقتراب المعركة المصيرية التي يخوضها الجيش العربي السوري وحلفائه بدعم عسكري روسي نوعي ، من حسم الحرب بالقضاء المبرم على العصابات الارهابية ، وذلك بعكس ما خطط له المعسكر المعادي ومعه قادة الكيان الاستعماري في فلسطين.
أبرز هذه الرسائل التي حملها نتنياهو معه للرئيس الروسي هي هاجس الكيان الاستعماري بقيادته السياسية وجيشه وأجهزة استخباراته وأمنه من تمدد الوجود الايراني الميداني في سورية واقترابه من هضبة الجولان المحتل المتاخمة للحدود الشمالية الشرقية لفلسطين التاريخية. كذلك تنامي القوة النوعية لحزب الله اللبناني في الجنوب ما يعتبره نتنياهو تهديداً مباشراً لأمن كيانه ووجوده ، إضافة لخطر المقاومة الفلسطينية وأنفاقها في الجنوب.
ولعل المبالغة والوقاحة في المطالب التي حملها نتنياهو معه تعبر عن وهم تغذيه العنجهية وينحو لتضخيم طبيعة وحجم علاقة الكيان الاستعماري مع روسيا ، كما تشير أيضاً إلى سوء تقدير منه للموقف الروسي من الحرب الكونية الارهابية الدائرة على سورية وأثرها على الأمن القومي لروسيا ودور أقطاب معسكر المقاومة في درئها وعلاقة موسكو مع كل من دمشق وطهران وحزب الله مجتمعين ومنفردين.
فروسيا لن تغامر مطلقاً في مصالحها الاستراتيجية مع إيران في الإقليم والعالم إرضاءً لنتنياهو ، وحين اتهم الأخير الفرس بارتكاب جرائم بحق اليهود قبل 2500 سنة واستمرار إيران في التهديد بإزالة الكيان و”إبادة اليهود” ، سارع الرئيس بوتين إلى إبداء النصيحة له قائلاً: بأن لا مكان للأساطير القديمة في العلاقات الدولية اليوم.
أما فيما يتعلق بحزب الله فتعتبره موسكو حليفاً ميدانياً في الحرب على الإرهاب في سورية ولن تفرط بدوره ولن تسمح لطيران العدو الصهيوني في قصف قواته على الأرض السورية تحت أي غطاء كان نزولاً عند رغبة نتنياهو.
فالتحالف الاستراتيجي لمعسكر المقاومة الذي تعمد بالدم والانتصارات المتلاحقة في سورية تعزز أكثر مع الوجود العسكري الروسي لضرب قواعد الارهاب ومنع رعاتهم من تنفيذ أهدافهم ، ما فاقم القلق المتزايد لدى أركان قيادة الاستعمار في فلسطين الذي لعب دوراً هاماً في إدارة غرفة العمليات الجنوبية وتقديم الخدمات اللوجستية والاستخبارية والرعاية الطبية للإرهابيين خاصة في محافظة القنيطرة.
فها هي إيران التي شكلت كابوساً أمنياً ووجودياً على الكيان الاستعماري في فلسطين منذ انتصار الثورة الإسلامية فيها عام 1978 وسقوط الشاه واقتلاع أنياب الامبريالية الأمريكية منها ، قد تمكنت رغم الحظر المفروض عليها من فرض وجودها كدولة إقليمية ، ونجحت بمساعدة روسية حثيثة من توقيع اتفاقية النووي مع دول الخمسة زائداً واحد ، ما أدى تدريجياً إلى رفع الحظر الاقتصادي والسياسي الذي فرضته عليها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لأكثر من ثلاثة عقود. وعملت على توطيد علاقاتها السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع روسيا الاتحادية والانفتاح على جمهورية الصين الشعبية سياسياً واقتصادياً وتوقيع العديد من الاتفاقات الاقتصادية مع الدول الأوروبية.
ولعل ما يثير سخط الكيان الاستعماري تجاه إيران هو تعزيز بناها التحتية العسكرية في سورية والشروع في بناء قاعدة عسكرية بحرية في اللاذقية على الساحل الشمالي ما يجعل البنية العسكرية للاستعمار الاستيطاني في فلسطين في مرمى الصواريخ الإيرانية المباشرة بعدما كانت هدفاً لصوارخها الباليستية البعيدة المدى من على بعد الآف الكيلومترات.
أما الكابوس المرعب الذي يجثم على صدر قادة الاستعمار الصهيوني من الحدود الشمالية لحدود فلسطين التاريخية فهو التهديد المتنامي لحزب الله الذي تعاظمت قدراته البشرية وترسانته الصاروخية أضعافاً منذ حرب تموز عام 2006 واكتسب خبرات قتالية ميدانية نوعية في مقارعته العصابات الارهابية خلال مشاركته في الحرب الكونية على سورية طوال ست سنوات. فالحزب الذي أرسى معادلة جديدة في استخدامه الأسلحة الكيماوية والنووية التي يمتلكها العدو الصهيوني لصالحه ، أضاف لترسانته الصاروخية وأسلحته النوعية براً وجواً وبحراً ما يمتلكه الكيان من حاويات الأمونيا في خليج حيفا وسفن النقل التي تحملها ومفاعل ديمونة النووي في النقب وحولها أهدافاً دقيقة لإحداثيات صواريخه بحيث أطلق عليها معهد الأمن القومي الإسرائيلي “توازن الردع الاستراتيجي”.
وتناولت تقارير الخبراء في عدد من المؤسسات الأكاديمية داخل الكيان الاستعماري بالتفصيل الأخطار الناجمة عن تصدع حاويات الأمونيا سواء تلك الموجودة على البر أو المحمولة في السفن الراسية في خليج حيفا. وقدرت هذه التقارير أن النتائج الوخيمة لتصدع أو استهداف الحاويات المحمولة على السفن بالصواريخ هي أشد خطراً من قنبلة هيروشيما.
في ظل هذا المشهد الإقليمي الضاغط على العدو الصهيوني من كافة الاتجاهات والمهدد لوجوده كان لا بد من زيارة نتنياهو لموسكو التي تمسك بكافة خيوط العمل الميداني والسياسي والديبلوماسي في سورية كي يحفظ لنفسه مكاناً في التسوية السياسية الجارية. فرغم التصريحات العلنية لنتنياهو وتبجحه بأن قيادة الكيان الاستعماري لن تتخلى عن مرتفعات الجولان السورية المحتلة فهو يعرف تماماً أن كافة المعطيات في الميدان السوري والمنطقة تشير أن أي اختلال في ميزان الردع في الجولان سيؤدي إلى اشتعال شرارة الحرب على طول الحدود السورية واللبنانية مع فلسطين. وحينها لا يمكن احتواء هذه الحرب كما لا يمكن التكهن بنهايتها.
هذه هي الحرب الوجودية التي يخشاها كيان الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.