أضيف بتاريخ: 03 - 03 - 2017
أضيف بتاريخ: 03 - 03 - 2017
الكاتب: براد هوف
المصدر: معهد ليبيرتاريان
استعرضت وثيقة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية –السي آي أيه (CIA)، رُفعت عنها السرية مؤخراً، سيناريوهات متعددة لانهيار “النظام السوري” في وقت كانت فيه حكومة الرئيس حافظ الأسد تخوض حرباً في الخفاء مع اسرائيل والغرب، وسط أزمةٍ دبلوماسية شهدت مستوىً غير مسبوق من العزلة على سورية.
فالمذكرة التي تقع في أربعٍ وعشرين صفحة، والتي عُنونت بـ” سورية: سيناريوهات تغيير سياسي دراماتيكي”، صدرت في عام 1986 وتم توزيعها على مديري الوكالة، وموظفين رفيعي المستوى في إدارة الرئيس رونالد ريغان، بما في ذلك مستشاري الرئاسة، ومجلس الأمن القومي، والسفير الأمريكي في دمشق.
نُشرت هذه الوثيقة في آخر ما أصدرته وكالة المخابرات المركزية (ما جاء في محرك البحث الخاص بالوكالة على شبكة الانترنت)، ضمن مايزيد عن تسعمئة ألف وثيقة رُفعت عنها السرية مؤخراً.
قيودٌ مشددة على التقرير
تُقدم رسالة التغطية الخاصة بالوثيقة (المذكرة)، والتي صاغها مدير قسم الشؤون العالمية في وكالة المخابرات المركزية (تم إعداد التقرير من قبل مركز التخريب الخارجي وعدم الاستقرار التابع للقسم المذكور)، الهدفَ من وراء القيام «بعدد من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بالرئيس حافظ الأسد، أو إلى تغييرٍ جذري آخر في سورية». ويحذر التقرير من أن أي « تحليل خارج السياق قد يؤدي لسوء الفهم، لذا فقد تم فرض قيود مشددة على توزيعه»، كما أن القائمة المحدودة التي وُزع عليها (حيث أُرسل إلى رؤساء محددين للأمن القومي وليس للوكالات بأكملها) تشير إلى أنه كان يتم التباحث به على أعلى المستويات في إدارة ريغان.
الحرب الطائفية القادمة في سورية
تتضمن قائمة محتويات التقرير بعض المقاطع المثيرة والتي تبدو متسقة على نحو ٍ لافت مع الأحداث التي تكشفت بعد عقود لاحقة مع بداية الحرب في سورية 2011، ومنها مثلاً:
رغم أننا نعتبر أن الخوف من أعمالٍ انتقامية ومشاكل تنظيمية قد تجعل من أي احتجاج ثانٍ يقوم به “السنَة” من غير المرجح وقوعه، فإن ردَّ فعلٍ مفرط قد تقوم به الحكومة إثر اندلاع معارضة “سنية” على مستوى صغير قد يثير اضطرابات واسعة النطاق. يملك “النظام”، في معظم الحالات، الموارد اللازمة لسحق حركة المعارضة “السنية”، ولكننا نعتقد أن انتشار العنف على نطاق واسع بين السكان يمكن أن يحفز أعداداً كبيرة من الضباط “السنة” والمجندين إلى الانشقاق أو إلى التمرد ، ما يمهد الطريق لحرب أهلية (ص 2).
يُستخدم ” الاحتجاج السني الثاني” هنا للإشارة إلى الحرب الطويلة التي شنتها الحكومة السورية سابقاً ضد تمرد الإخوان المسلمين والتي بلغت ذروتها في أحداث حماة 1982. وفي حين إن التقرير يقلل من أهمية التكوين الوطني والتعددي في حزب البعث الحاكم، فإنه يضع تصوراً لتجدد اشتعال خطوط الصدع المذهبية واستغلالها لتأليب سكان سورية من “السنة” ضد “القيادة العلوية”:
يشكل “السنة” ستون بالمئة من الضباط السوريين ولكنهم يتركزون في صفوف صغار الضباط، حيث إن أغلب المجندين هم من “السنة”. ونعتقد أن تجدد العنف الطائفي بين “العلويين والسنة” يمكن أن يدفع “السنة” في الجيش لينقلبوا على “النظام” (ص 12).
الإخوان المسلمون وتغيير “النظام”
لقد أُعطيت إمكانية أن تشكّل جماعة الإخوان المسلمين رأس الحربة في تمرد مسلح آخر، يقع في المستقبل ويؤدي إلى تغيير “النظام”، اهتماماً كبيراً. وفي حين تشير نبرة الوثيقة إلى أن هذا السيناريو هو سيناريو مستقبلي على المدى الطويل (ولا سيما بالنظر إلى أن جماعة الإخوان عانت من الهزيمة الساحقة وأصبحت تعمل بشكلٍ سري في سورية في منتصف الثمانينات)، إلا أن هذا السيناريو عُدّ “على الأرجح” واحداً من أهم ثلاثة سيناريوهات لتغيير النظام (تشمل السيناريوهات الأخرى “الصراع على السلطة” و “تغييرات عسكرية]عكسيةأعلاهالرئيس حافظقطاعأمريكيعن هذا النهج خدّام ورفعت الأسد حيث يُعدّ ذلك وسيلة لإرسال مثل هذه الإشارات، مع تسريبات مناسبة للاجتماعات بعد ذلك.
يلعب هذا الأمر مرة أخرى على “جنون العظمة” لدى هذا “النظام المعزول” ويزيد من احتمال حدوث الإفراط في رد فعلٍ قد يؤدي لنتائج عكسية. وللمفارقة، فإن كلاً من رفعت الأسد وعبد الحليم خدّام كلاهما مذكور على نطاق واسع في مذكرة عام 1986، كلاعبين أساسيين في “صراعٍ على السلطة” يحدث في المستقبل (ص 15).
دولة إسلامية في دمشق؟
رُغم أن تقرير وكالة المخابرات المركزية عام 1986 يجادل في الفقرة الختامية من أجل «قيام نظام سني يسيطر عليه رجال الأعمال المعتدلون» في سورية، يقرُّ مؤلفوه بأن انهيار دولة البعث قد يمهّد فعلاً الطريق للدخول في ما هو أسوأ من كل النتائج الممكنة لواشنطن وللمنطقة: أن يعمد “المتعصبون الدينيون” لإقامة “جمهورية إسلامية”؛ تستحوذ هذه الكلمات على أهمية جديدة وخاصة في الوقت الحالي، بعد صعود “داعش”:
صحيحٌ أن التقاليد العلمانية في سورية تجعل من الصعب للغاية بالنسبة للمتعصبين الدينيين إقامة “جمهورية إسلامية”، لكن في حال نجحوا فإنه من المرجح أن يعمّقوا العداوات مع اسرائيل ويقدموا الدعم والملاذ للجماعات الإرهابية (ص 24).
لقد فاق ما يتكشّف الآن في سورية على نحوٍ مستمر- على ما يبدو- حتى أسوأ سيناريوهات المخططين في السي آي أيه في الثمانينات، إذ ثبت أن القيام بعملية تغيير “النظام” على مراحل-” في سبيل إصلاحه”- ستكون أخطر السيناريوهات على الإطلاق.
مداد للأبحاث والدراسات